TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > مَنْ يسرقِ الآخرين يسرقهُ الآخرون

مَنْ يسرقِ الآخرين يسرقهُ الآخرون

نشر في: 5 مارس, 2013: 08:00 م

عندما تضعف سيطرة الإنسان على أهوائه ونفسه ورغباته، عند ذاك تبدأ التجاوزات الكثيرة، ومنها سرقة الآخرين تكديسا للمال في الجيب والبنوك ومضاعفة الثروة بطرق غير مشروعة، وعندما يرافق ضعف السيطرة على النفس خلل آخر يتمثل بعدم قدرة القانون على ضبط الأمور، ومح

عندما تضعف سيطرة الإنسان على أهوائه ونفسه ورغباته، عند ذاك تبدأ التجاوزات الكثيرة، ومنها سرقة الآخرين تكديسا للمال في الجيب والبنوك ومضاعفة الثروة بطرق غير مشروعة، وعندما يرافق ضعف السيطرة على النفس خلل آخر يتمثل بعدم قدرة القانون على ضبط الأمور، ومحاسبة السرّاق، فإن الوضع سوف يزداد خطورة، لأن الضابط الذاتي غائب (الضمير)، والضبط الخارجي ضعيف، عندها يكون الإنسان بلا ضوابط ومحددات تحكم سلوكه ونزواته وأهواءه، فيبدأ بسرقة الآخر بشتى السبل والأساليب.

ومع استفحال ظاهرة سرقة الآخرين وعدم إيجاد السبل التي تحد منها وتكافحها بنجاح، سوف تتعاظم الخطورة وينهار المجتمع ككل، وتفشل منظومة القيم وكل أساليب وأدوات الإصلاح في السيطرة على السراق، وبالتالي ينهار الاقتصاد كليا ويخسر السارق والمسروق معا، ويقع المجتمع والدولة في مشكلة الفقر والفوضى والفشل في إدارة الموارد والثروات.

من الملاحظ أن المجتمعات المتقدمة وجدت حلولا لهذه الظاهرة، ليس بطرح الأخلاقيات والمثالية في السلوك ورفض السرقة بدواعي الأعراف والدين وما شابه، بل وجدت تلك المجتمعات أن عدم سرقة الآخر يؤدي بالنتيجة إلى ربح الجميع، بمعنى أوضح عندما أتيح لك أن تربح فإن المجال سيصبح واسعا بل أكيدا لكي أربح أنا، وهكذا وفقا لهذا التصور والرؤية والسلوك سيربح الجميع، لذلك عمل الأغنياء والمتطورون والمخططون في المجتمعات الناجحة على إتاحة الفرصة للجميع كي يربحوا، وأغلقوا الطرق أمام السرقات، بمعنى أن الأغنياء والأثرياء وأصحاب القرار ومن يمسك بزمام الأمور في المجتمعات المتقدمة، يمكنهم سرقة الآخر الأضعف أو الأفقر منهم، ولكنهم أغلقوا هذا الحيّز الخاطئ، وفتحوا المجال للجميع كي يربحوا، وبهذه الطريقة ضمن الجميع الربح بديلا لظاهرة السرقة التي كانت تطيح بالجميع في وحل الخسارة والفقر.

من هنا ينبغي أن نتعلم الربح في مجتمعاتنا الثرية الفقيرة، كما هو الحال مع العراق، حيث تبلغ ثرواته مئات بل ملايين ومليارات الدولارات، ولا يزال شعبه فقيرا وخدماته تصل درجة الصفر، والترفيه غائب كليا أو بنسبة عالية، والبطالة تطيح بالشباب والخريجين، وثمة الكثير من المؤشرات التي تدل على فقر الشعب أو نسبة كبيرة منه، بسبب وجود ظاهرة سرقة الآخر بشتى السبل والتحايل والمخادعة وتحويل الطرق اللامشروعة إلى مشروعة، وتبريرها وفقا لقيم جديدة دخيلة على المجتمع العراقي، مثل (الشطارة/ الرشوة/ تكوين النفس) وما شابه من مصطلحات وقيم خطيرة، أشاعها الفاسدون والمفسدون، بين العراقيين في المرحلة الراهنة.

لذلك على الجميع أن يتنبّه لخطورة سرقة الآخرين، لأن من يسرق الآخر سوف يتعرض هو نفسه للسرقة في نهاية المطاف، وحينذاك سوف يتعرض الجميع للسرقة بدلا من الربح، لذا ينبغي أن يتم العمل على رفض السرقة بشتى أشكالها وصورها وأساليبها، ورفع الأغطية عنها وعدم شرعنتها إطلاقا، وتفعيل الضوابط المختلفة للحد من هذه الظاهرة، ومنها تفعيل الأعراف والأخلاق والقيم السليمة، وتعضيد القانون نصاً وتطبيقا، وإتاحة فرصة الربح للجميع، كونها السبيل إلى القضاء على ظاهرة سرقة الآخرين.

ولابد أن يتقدم الجهد الرسمي جميع الجهود في هذا الصدد، على أن تقوم المنظمات والمؤسسات المدنية المعنية، بدورها في مجال توضيح مخاطر منهج السرقة المبرَّر، حيث يظن كثيرون أن اللهاث وراء جمع المال والثروة بشتى الطرق أمر صحيح، وبعضهم يعتقد أنه لا يرتكب إثما عندما يستخدم المخادعة والتبرير والتحايل، من اجل كسب المال، خاصة عندما يعود المال للشعب، أو ما يُطلَق عليه بالمال العام، حيث يتسابق المفسدون إلى إيجاد شتى الحجج، لشرعنة التجاوز على المال العام، والإثراء على حساب الفقراء، ولكن بالنتيجة ستكون كل هذه السرقات، عاملا مساعدا لإفقار الدولة والمجتمع برمته، بمن في ذلك الذين يسرِقون ويظنون أنهم لا يُسرَقون.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ناقلة نفط تغرق في مضيق هرمز بعد استهدافها إيرانياً

الإمارات والسعودية تحذّران إيران من تصعيد الصواريخ والطائرات المسيرة

الأعرافي يتولى قيادة إيران مؤقتاً

العراق يمدد إغلاق اجوائه لمدة 24 ساعة

"بعد اغتيال خامنئي".. قتيل وتسعة جرحى في الإمارات وهجمات صاروخية على السعودية!

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: في البحث عن المرحوم أفلاطون

 علي حسين لا تزال دور النشر تصدر كل يوم كتباً تتحدث عن بناء الدول، وكيف تكون الدولة العادلة، ورغم أن المرحوم "أفلاطون" حاول قبل 2500 عام أن يخصص للموضوع كتاباً بعنوان "الجمهورية" تاركاً...
علي حسين

قناطر: رمضان مناسبة لتجديد الإنسانية

طالب عبد العزيز نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا...
طالب عبد العزيز

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

سعد سلوم بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد...
سعد سلّوم

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي (2-1 ) لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram