مازلنا نتحدث عن الموازنة العامة، لمناسبة (عدم) إقرارها، ويمكن أن نذهب بالحديث عن آثار التوسع في نفقاتها، الاستهلاكية خاصة، والتي يريد مناوئو إقرارها زيادة على الزائد، وهو ما يمكن ان يدخل ضمن تلك الآثار السالبة التي يولدها هذا الإنفاق غير المنضبط، في توسع الطلب المحلي على السلع والخدمات، ما يولد ضغوطا على أسعار تلك السلع، وما يسببه، من زيادة في الاستيرادات من السلع الأجنبية، وذلك لان العراق (ما شاء الله) غير قادر على إنتاج وتصدير أي شيء، ما عدا (نفطاته).
المشكلة أن دراسة معمقة لهذا الاقتصاد، تبين انه اقتصاد خدمات بامتياز، والأنكى أنها خدمات هامشية وليست حقيقية ، وتستوعب نسبة كبيرة من الأيدي العاملة، ما يرفع إسهام قطاع الخدمات الى حدود الـ55% من الناتج غير النفطي.
لكن ما المقصود بذلك! انه يعني أننا إزاء اقتصاد بخدمات عريضة، وعدد كبير من العاملين، لكنها لا تضيف شيئا حقيقيا الى الاقتصاد، والخطورة هنا أن الناس أما لا تتوفر لديها الخبرات والمهارات الكافية أو أنها تعمل في غير تخصصاتها، ما يسبب انخفاضا في إنتاجيتها، بحيث يتراجع مستوى دخلها الحقيقي ويزداد الفقر بدلاً من أن ينخفض كما يظن من يعول على رفع رواتب الموظفين والمدفوعات الأخرى.
لكن ماذا عن أسعار هذه الخدمات! الإجابة انه وبالرغم من تفاهة هذه الخدمات المقدمة والتي لا تعادل كليا ما يدفع فيها، مقارنة بمثيلاتها التي كانت تقدم سابقا، أو بالدول الاخرى التي تقدم أفضل منها بأسعار أدنى، فان أسعار خدماتنا مرتفعة وفي تزايد، ما ادخلنا في تسابق مع اسعار السلع الأخرى المستوردة خاصة، والدخول في حلقة من ارتفاعات الأسعار التي تقتص من الدخل الحقيقي وتزيد معدلات الفقر، لكنها مكبوتة بفعل دعم الدينار بدولارات النفط التي تخرج مقابل تلك السلع المستوردة.
السكن ومستلزماته وخدماته وأسعار السلع المستوردة المرتبطة به، مثال جيد عن هذا التسابق في ارتفاع الأسعار برغم إننا لا نحصل على سكن كافٍ، ولا تكون الخدمات التي يقدمها العاملون في هذا المجال بمستوى ما كانت عليه في سنوات سابقة او مقارنة بالدول المجاورة.
الإفراط في الإنفاق الاستهلاكي الحكومي، لا يقود الى تحسين العدالة الاجتماعية والرفاهية بالضرورة، بقدر ما يقود الى نتائج عكسية من حيث محاولة إشباع اكبر مقدار من الحاجات لكنها حاجات منخفضة الجودة. انها كثرة بقلة وزيادة بلا منفعة.
كلامي هذا، ليس مسموعاً بالمرة في هذه اللحظة، ولن يجد طريقا للتفكير أو التنفيذ، لان السلطة دخلت في (معبد الاستحواذ)، لذا فإنها تحاول أن ترضي الرعية بعطايا من بيت مالها، في محاولة لتنقية روحها وتخليصها من شعور عميق بذنب الاستحواذ هذا.. هذا البذخ في الإنفاق هو طوق سيخنق الاقتصاد ورفاه الأفراد شيئا فشيئا.. فانظروا ولا تستعجلوا.










