تبرز الدولة الطائفية عندما يتعصب المواطنون لطوائفهم منطلقين من مبدأ عدم الثقة بمواطني الطوائف المغايرة ، كما تتعزز الطائفية من خلال ديناميكية الدولة وطريقة تعاطي ساستها مع شؤونها الداخلية والخارجية ، الطائفية من أبشع الظواهر السياسية التي تبرز&
تبرز الدولة الطائفية عندما يتعصب المواطنون لطوائفهم منطلقين من مبدأ عدم الثقة بمواطني الطوائف المغايرة ، كما تتعزز الطائفية من خلال ديناميكية الدولة وطريقة تعاطي ساستها مع شؤونها الداخلية والخارجية ، الطائفية من أبشع الظواهر السياسية التي تبرز في بعض البلدان، ففي العراق لم تكن الطائفية وليدة اليوم أو بعد التاسع من نيسان عام 2003 ، بل هي قديمة الجذور والنشوء ، وقد تجلّت الطائفية في نمطين ،الأول النمط الديني المذهبي والنمط الثاني هو النمط المناطقي، لكن كيف نشأت الطائفية سياسياً وكيف نمت خلال العقود الماضية ؟
يرى الباحث عبد الله خليفة أن وقوع العالم العربي تحت الاحتلال العثماني عام 1535، كان له الأثر الكبير في نشوء وازدياد الحس الطائفي. فقد كانت البلاد ذات تشكيل اجتماعي مختلف الأعراق من الأتراك والأرمن واليهود والفرس وغيرهم، كما كان فيها المسلمون والمسيحيون وعبدة النار ومظاهر الطبيعة والملاحدة. فالدولة العثمانية كانت تعلم بوجود الحلم العربي في الخلاص من النير الأجنبي وتحقيق الوحدة العربية، فكان السبيل الوحيد للمحافظة على مستعمراتها تحت الطربوش العثماني الأحمر هو إثارة النعرات الطائفية في كل مكان .
نستنتج من هذه الرؤية الموضوعية أن الطائفية كظاهرة سياسية نشأت وترعرعت ونمت استجابة لطموحات السياسيين الذين يعتلون عرش الدولة والسلطة ، ولا يمكن اعتبار نشأتها مرتبطاً بأسباب اجتماعية ، فهي وفق المقياس الاجتماعي لا تشكل خطراً لأنها بناء اجتماعي طبيعي ، لكنها عندما تتحول إلى أداة سياسية فإنها تشكل خطراً كبيراً ليس فقط على الدولة ومؤسساتها بل يمتد الخطر إلى البناء الاجتماعي ، ففي بعض البلدان المبتلاة بالطائفية السياسية نجدها سبباً لنشوب الحروب الأهلية وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي أيضاً ، وهذا ما نلمسه في بعض البلدان الإفريقية ، أما في العراق وكذلك سوريا والبحرين فإن الطائفية السياسية تشكل محور اندلاع النزاعات والاحتراب الطائفي المدعوم من قبل قوى خارجية ،إضافة إلى مباركة بعض السياسيين المحليين لها ،وهؤلاء جزء لا يتجزأ من المخطط الخارجي ممن تقاضوا أجورهم سلفاً للعبث بمقدرات البلاد وعرقلة بنائها المدني .
تتبدى الطائفية بصور وأشكال شتى ،فمرة تظهر بصورة رأي عام محتج على سياسات الدولة تحت ذريعة الدفاع عن حقوق الإنسان ، ومرة يرتدي عرّابوها زيّ الديمقراطية مطالبين بإنصاف المواطنين واحترام حقوقهم ، فهي وفق هذا النموذج مجرد شماعة يعلق عليها الوصوليون السياسيون مبرراتهم .
المستغرب أن الطائفية اليوم في العراق تستمد قوتها ليس فقط من الرأي العام بل من نفس سلطة الدولة ،فهي التي تغذيها وتحرص على نموها ،في نفس الوقت يندد بعض رموز الدولة ويحتجون عليها مطالبين باقتلاع جذورها ، إنها مهزلة ومفارقة مضحكة حافلة بالتناقض ، أليس من العار على بعض السياسيين مباركة الطائفية والاحتفاء بها لتحقيق مآربهم لكنهم في نفس الوقت يتظاهرون بأنهم ضدها ؟
أين محل الديمقراطية كنموذج سياسي وآلية سياسية حديثة ومتطورة من الطائفية ؟ لا يمكن الجمع بين المتناقضين بسبب الهوة الفاصلة بينهما، فالديمقراطية كنموذج للسلطة والدولة تعني الرقي بالدولة والمواطن وتحقيق أسمى درجة من الرفاهية والعدالة الاجتماعية والسياسية ، أما الطائفية فهي تعني تمزيق النسيج الاجتماعي والسياسي والقضاء على طموحات المواطنين في التطور والتقدم في المجالات كافة ، لا يمكن بموجب الطائفية تنمية الدولة وتحقيق ازدهارها، بل بموجب معاييرها تظهر ظواهر شاذة ، منها العنف الطائفي،والتعصب الطائفي ،والحرب الطائفية ،والثقافة الطائفية،والسلطة والدولة الطائفية ،والأحزاب الطائفية .ويمتد الأمر ليشمل جوهر العقد الاجتماعي ( الدستور ) ليكون ذا طابع طائفي بغيض .










