TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > دولة طائفية

دولة طائفية

نشر في: 6 مارس, 2013: 08:00 م

تبرز الدولة الطائفية عندما يتعصب المواطنون لطوائفهم منطلقين من مبدأ عدم الثقة بمواطني الطوائف المغايرة ، كما تتعزز الطائفية من خلال ديناميكية الدولة وطريقة تعاطي ساستها مع شؤونها الداخلية والخارجية ، الطائفية من أبشع الظواهر السياسية التي  تبرز&

تبرز الدولة الطائفية عندما يتعصب المواطنون لطوائفهم منطلقين من مبدأ عدم الثقة بمواطني الطوائف المغايرة ، كما تتعزز الطائفية من خلال ديناميكية الدولة وطريقة تعاطي ساستها مع شؤونها الداخلية والخارجية ، الطائفية من أبشع الظواهر السياسية التي  تبرز  في بعض البلدان،  ففي العراق لم تكن الطائفية وليدة اليوم أو بعد التاسع من نيسان عام 2003  ، بل هي قديمة الجذور والنشوء ، وقد تجلّت الطائفية في نمطين ،الأول النمط الديني المذهبي والنمط الثاني هو النمط  المناطقي، لكن كيف نشأت الطائفية سياسياً وكيف نمت خلال العقود الماضية ؟
يرى الباحث عبد الله خليفة أن وقوع العالم العربي تحت الاحتلال العثماني عام 1535، كان له الأثر الكبير في نشوء وازدياد الحس الطائفي. فقد كانت البلاد ذات تشكيل اجتماعي مختلف الأعراق من الأتراك والأرمن واليهود والفرس وغيرهم، كما كان فيها المسلمون والمسيحيون وعبدة النار ومظاهر الطبيعة والملاحدة. فالدولة العثمانية كانت تعلم بوجود الحلم العربي في الخلاص من النير الأجنبي وتحقيق الوحدة العربية، فكان السبيل الوحيد للمحافظة على مستعمراتها تحت الطربوش العثماني الأحمر هو إثارة النعرات الطائفية في كل مكان .
نستنتج من هذه الرؤية الموضوعية أن الطائفية كظاهرة سياسية نشأت وترعرعت ونمت استجابة لطموحات السياسيين الذين يعتلون عرش الدولة والسلطة ، ولا يمكن اعتبار نشأتها مرتبطاً بأسباب اجتماعية ، فهي وفق المقياس الاجتماعي لا تشكل خطراً لأنها بناء اجتماعي طبيعي ، لكنها عندما تتحول إلى أداة سياسية فإنها تشكل خطراً كبيراً ليس فقط على الدولة ومؤسساتها بل يمتد الخطر إلى البناء الاجتماعي ، ففي بعض البلدان المبتلاة بالطائفية السياسية نجدها سبباً لنشوب الحروب الأهلية وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي أيضاً ، وهذا ما  نلمسه في بعض البلدان الإفريقية ، أما في العراق وكذلك سوريا والبحرين فإن الطائفية السياسية تشكل محور اندلاع النزاعات والاحتراب الطائفي المدعوم من قبل قوى خارجية ،إضافة إلى مباركة بعض السياسيين المحليين لها ،وهؤلاء جزء لا يتجزأ من المخطط الخارجي ممن تقاضوا أجورهم سلفاً للعبث بمقدرات البلاد وعرقلة بنائها المدني .
تتبدى الطائفية بصور وأشكال شتى ،فمرة تظهر بصورة رأي عام محتج على سياسات الدولة تحت ذريعة الدفاع عن حقوق الإنسان ، ومرة يرتدي عرّابوها  زيّ الديمقراطية مطالبين بإنصاف المواطنين واحترام حقوقهم ، فهي وفق هذا النموذج مجرد شماعة يعلق عليها الوصوليون السياسيون مبرراتهم .
المستغرب أن الطائفية اليوم في العراق تستمد قوتها ليس فقط من الرأي العام بل من نفس سلطة الدولة ،فهي التي تغذيها وتحرص على نموها ،في نفس الوقت يندد بعض رموز الدولة ويحتجون عليها مطالبين باقتلاع جذورها ، إنها مهزلة ومفارقة مضحكة حافلة بالتناقض ، أليس من العار على بعض السياسيين مباركة الطائفية والاحتفاء بها لتحقيق مآربهم لكنهم في نفس الوقت يتظاهرون بأنهم ضدها ؟
أين محل الديمقراطية كنموذج سياسي وآلية سياسية حديثة ومتطورة من الطائفية ؟ لا يمكن الجمع بين المتناقضين بسبب الهوة الفاصلة بينهما، فالديمقراطية كنموذج للسلطة والدولة تعني الرقي بالدولة والمواطن وتحقيق أسمى درجة من الرفاهية والعدالة الاجتماعية والسياسية ، أما الطائفية فهي تعني تمزيق النسيج الاجتماعي والسياسي والقضاء على طموحات المواطنين في التطور والتقدم في المجالات كافة ، لا يمكن بموجب الطائفية تنمية الدولة وتحقيق ازدهارها، بل بموجب معاييرها تظهر ظواهر شاذة ، منها العنف الطائفي،والتعصب الطائفي ،والحرب الطائفية ،والثقافة الطائفية،والسلطة والدولة الطائفية ،والأحزاب الطائفية .ويمتد الأمر ليشمل جوهر العقد الاجتماعي ( الدستور ) ليكون ذا طابع طائفي بغيض .

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ناقلة نفط تغرق في مضيق هرمز بعد استهدافها إيرانياً

الإمارات والسعودية تحذّران إيران من تصعيد الصواريخ والطائرات المسيرة

الأعرافي يتولى قيادة إيران مؤقتاً

العراق يمدد إغلاق اجوائه لمدة 24 ساعة

"بعد اغتيال خامنئي".. قتيل وتسعة جرحى في الإمارات وهجمات صاروخية على السعودية!

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: في البحث عن المرحوم أفلاطون

 علي حسين لا تزال دور النشر تصدر كل يوم كتباً تتحدث عن بناء الدول، وكيف تكون الدولة العادلة، ورغم أن المرحوم "أفلاطون" حاول قبل 2500 عام أن يخصص للموضوع كتاباً بعنوان "الجمهورية" تاركاً...
علي حسين

قناطر: رمضان مناسبة لتجديد الإنسانية

طالب عبد العزيز نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا...
طالب عبد العزيز

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

سعد سلوم بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد...
سعد سلّوم

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي (2-1 ) لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram