ربما يحاول هذا السؤال أن يحل ما يبدو متناقضاً في الظاهر، إذ لا يعدّ بعضهم ان للاقتصاد سلوكيات يمكن أن يحاكم من خلالها، كما الحال بالنسبة للأفراد. إذ أن ثمة انفصال كبير بين الاقتصاد كعلم يتحرك ذاتياً، وبين الأفراد الذين يمكن وضع ضوابط أخلاقية لتحركاتهم، فالأخلاق والسوق الحر، مفهومان مختلفان وانه لمن المجازفة توحيدهما بربط عضوي. يقول المفكر الفرنسي اندريه سبونفيل بهذا الصدد (الاقتصاد ليس شخصاً حتى تكون له أخلاق، نحن الذين يتعين أن نكون أخلاقيين).
لكن المفارقة أن ينجم عن اقتصاد السوق الحر واحدة من اكبر الحضارات، ويتقدم فيه مفهوم حقوق الإنسان ليأخذ منحى عالمياً، فمنذ آدم سميث، كان الاهتمام منصباً على الأخلاقيات الاقتصادية إذ يقول (ينبغي على الرجل أن ينظر إلى نفسه على انه مواطن في هذا العالم وعضو في جمهورية الطبيعة ، ومن أجل مصلحة هذا العالم ينبغي عليه طوعاً أن يضحي بمصلحته الشخصية).
لكن أعظم الجدل بشأن القيم الأخلاقية ينطلق من ثنائية الكفاءة والعدالة، التي تشير إلى أن ثمة علاقة قطيعة بينهما، فعلى حساب تحقيق العقلانية الاقتصادية من خلال تحسين استخدام الموارد بصورة كفوءة تجري التضحية بقواعد العدالة الاجتماعية، وبكلمات أخرى غالباً ما يحدث أن (تدوس) أقدام الكفاءة على سجادة الأخلاق.. من أجل أن تستمر عجلة التنمية.
الكثير يحاجج أن المجتمعات الرأسمالية، وصلت الى ما وصلت إليه من خلال فلسفة (الدوس) هذه، وذلك بتوليد خارجيات سلبية ، فالمجاعات والحروب صارت شواهد على مستوى معولم. لكن هذا لا يعني أبداً عدم وجود شواهد معاكسة، فهناك بالمقابل حلول عدالة اجتماعية معولمة، كالمنظمات الإنسانية التي انتقلت من حدود (الأقربون) الضيقة إلى حدود كونية تعبر المساعدات فيها القوميات.
لكن ماذا عنا! هل نسير باتجاه الاقتصاد أم أننا (بطرك) الأخلاقيات! الحق، أن جلّ أموالنا تذهب في محاولات لتحقيق العدالة الاجتماعية، وذلك من خلال منهاج يراعي مكافحة الفقر برفع معدلات الاستهلاك إلى حدود خطيرة تجري معها التضحية بأي معايير للتحويل من موارد الاستهلاك الى الادخار والاستثمار. لكن هل حققنا هذا الهدف أيضاً! أظن أن الإجابة المؤسفة هي النفي، فحتى رفع الرفاهية أو معدلات الاستهلاك أو العدالة أو الأخلاقيات لم تجرِ صيانتها بشكل سليم، فهناك شواهد دامغة على أن معدلات الاستهلاك ارتفعت ولكن بطريقة مظهرية وليست أصيلة، وجرى التجاوز على ثمار العدالة الاجتماعية بحيث أن قلة من المجتمع صارت تملك أكثر مما يملكه السواد، وربما نكون قد اجتهدنا أكثر في توزيع (عدالة الظلم) على الغالبية، وهذا يعني أننا ضيّعنا المشيتين، فقد دسنا على سجادة الاقتصاد، إذ لم نستطع تحقيق أي تنمية حقيقية، لكن الحجة أننا أردنا المحافظة على العدالة، لكننا دسنا على سجادة العدالة أيضاً.
هل للاقتصاد أخلاق !
نشر في: 13 مارس, 2013: 09:01 م
يحدث الآن
مسيّرات تهاجم مواقع عسكرية.. و«الإطار» أمام عزلة غير مسبوقة
اختلال التحالفات في مجلس ميسان.. هل ينعكس على بقية المحافظات؟
السيد السيستاني ينعى خامنئي ويصف قيادته بـ"الفريدة"
نصف إنتاج العراق من النفط قد يتعطل حال استهداف خطوط النقل في البصرة
كردستان.. صواريخ مستمرة تهاجم أربيل والإقليم يعلن توقف إمدادات الغاز
الأكثر قراءة
الرأي

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟
محمد الربيعي ( 2-2 ) أمثلة صارخة على الفساد الأكاديمي الممنهج: تجارة الأطاريح والبحوث (الاقتصاد الأسود للمعرفة): انتشرت مكاتب علنية وسرية في محيط الجامعات تقوم بكتابة رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه مقابل مبالغ مالية معلومة....









