TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > عـلــي داده

عـلــي داده

نشر في: 13 مارس, 2013: 09:01 م

في أواخر التسعينات من القرن الماضي وجد عراقيو المنافي، في مواقع "الثرثرة" على "البالتوك" في الانترنت، وطناً افتراضياً virtual. بنوا في وطنهم الجديد غرفاً أطلقوا عليها أسماء مختلفة. كانت الأسماء تحمل دلالات، إذ يمكنكم من اسم الغرفة أن تعرفوا أهدافها أو من هم أهلها. فهناك "قهوة عزاوي" و "بغداد" و "الناصرية" ولا تستغربوا إن وجدتم غرفة تحمل اسم "الكلاوجية" أو "الحرامية". وفيها غرف مسوّرة لا يدخلها إلا من يحمل جواز مرور (باصوورد). وهناك غرف تخصصية بالشعر والفن والغناء والرقص وبعضها للطم. أشكال وأرناك.

قصدها في تلك السنين شعراء وأدباء وفنانون عراقيون معروفون. أغلبهم كان يدخل بأسماء مستعارة وقليل منهم باسمه الصريح. كثيراً ما يصدف أن يجتمع في غرفة واحدة عراقيون من سبع قارات. نشأت في تلك الغرف صداقات حميمة وعداوات لم يصنع مثلها حداد من قبل. في الأيام الأولى لنشأتها كانت محطات للتعارف والاستمتاع. لكنها سرعان ما تحولت إلى أماكن للنزاعات والصراعات الطائفية والحزبية والعشائرية. هي نفسها صراعات العراقيين في الوطن الواقعي اليوم وأمس وغداً.

كنت أدخلها باسم "فرات" وصارت الناس تعرفني به حتى أن بعضهم التقيته في عالم الواقع وظل يناديني بنفس الاسم. عشرات من الأسماء تعرفت عليها. نسيتها كلها تقريباً إلا "علي داده". كان هذا هو الاسم المستعار لشخص ذاع صيته وصار بطلاً شعبياً في عراق الانترنت.

ما حداني للكتابة عنه أني حلمت به البارحة. كان في الحلم يبحث عني. يعرف المدينة التي أعيش بها، لكنه يجهل عنوان الشارع والبيت. اهتدى لطريقة أن يجوب المدينة وهو يغني لعلّي أسمعه. وفعلاً سمعته وخرجت لاستقباله. حالة قريبة جداً من تلك التي تعرفت بها عليه في الوطن الافتراضي.

لم نكن قد سمعنا باسمه أو تعرفنا على صوته من قبل. دخل علينا في إحدى الغرف وقدم نفسه على انه يود أن يكون صديقاً للعراقيين في كل غرفهم. كان بجنبه يجلس عازف عود. قال جئت لأسعدكم بالغناء فغنى. لا يمكن لمن يسمع صوته إلا أن يقسم بأنه سعدي الحلي. يا له من صوت حنون وعذب. أحببناه من أول لقاء. لم يمكث بيننا طويلاً لكون وراؤه مهمة أن يجول في كل الغرف ليسعد الناس.

صادف مع دخول علي داده العالم الجديد أن صارت الغرف تتعرض لهجمات منظمة من البعثيين. يدخلون الغرف ليرشقوا "الجالسين" فيها بكلمات بذيئة لم يسمعوا بمثلها في كل قواميس السفالة. تطور الأمر فصاروا يفلشون الغرف بطريقة "الهاكنج". نسى علي داده الغناء وتفرغ للدفاع عن "الوطن". أكتب له على "البرايفت" أني أريد أن استمع لغنائه، فيرد علي معتذراً بأنه لازم خفارة لحراسة الغرف من الأعداء!

بعد سقوط صدام غادر أغلب العراقيين "البالتوك". فيهم من صار حواسمياً أو وزيراً أو نائباً. وفيهم من تحول إلى مليونير بقدرة قادر.

انتهى الحلم فجأة قبل أن أسأل علي داده أين صفى به الدهر. خوفي أن لا يكون قد ترك الغناء والخفارات وخشّ في دهاليز السياسة والسلطة والحكم. لا أظنه يفعل لأنه من طينة غير طينتهم، ليته يخبرني كي يطمئن قلبي، لا أكثر.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. عامرعمار

    أغلب الظن أن (علي داده) ما زال يغني ولكن لا أحد يسمعه لأن الجميع وصل الى غايته وهو لم يفعل..مازال الوطن أسيرا محتلا من الطائفيين والحواسم والفاسدين والأرهابيين القتلة..وهو بالتأكيد مالم يكن (علي داده) والكثيرين غيره يتوقعون أن يصحوا عليه فعادوا الى أحلام

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

العمود الثامن: أين اختفى البرلمان؟

 علي حسين يمكن القول وبثقة كبيرة أن مجلس النواب قد فقد ثقة معظم العراقيين ، بعد أن أدار ظهره للاحداث الخطيرة التي تمر بها البلاد ، وقرر بقيادة الشيخ هيبت الحلبوسي تأجيل جلساته...
علي حسين

باليت المدى: أعظم هدية في العالم

 ستار كاووش أعظم هدية يمكن أن نحصل عليها أو نمنحها هي أن نُتقاسم شيئاً جميلاً مع من نحب، شيئاً قريباً من القلب، حتى وأن كان بشكل رمزي. وعندما نُبادر بإعطاء هدية لشخص نحبه،...
ستار كاووش

خيارات تطور المجابهة الامريكية- الإسرائيلية مع إيران وتداعياتها

د. فالح الحمـراني يرسم المراقبون المهتمون في قضايا الشرق في موسكو احتمالين لتداعيات الضربات الامريكية – الإسرائيلية الجديدة في ايران يتمحور الأول على إن المنطقة أقتربت خطوات وليست خطوة نحو حرب شاملة وكارثية، وقد...
د. فالح الحمراني

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي ( 2-2 ) أمثلة صارخة على الفساد الأكاديمي الممنهج: تجارة الأطاريح والبحوث (الاقتصاد الأسود للمعرفة): انتشرت مكاتب علنية وسرية في محيط الجامعات تقوم بكتابة رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه مقابل مبالغ مالية معلومة....
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram