بتشييع مهيب وجنازة استثنائية رحل الزعيم الفنزولي (المحبوب) تشافيز ،رحيلا أنبأ عن رجل لم يترك في بلاده السياسية والإدارة والمواقف المبدئية فحسب ،وإنما ترك فيها وجداً من التعلق بشخصه كإنسان لامس بعمق حاجات مواطنيه ،وعاش همومهم ، وعمل من أجلهم ،ولم يتعا
بتشييع مهيب وجنازة استثنائية رحل الزعيم الفنزولي (المحبوب) تشافيز ،رحيلا أنبأ عن رجل لم يترك في بلاده السياسية والإدارة والمواقف المبدئية فحسب ،وإنما ترك فيها وجداً من التعلق بشخصه كإنسان لامس بعمق حاجات مواطنيه ،وعاش همومهم ، وعمل من أجلهم ،ولم يتعالَ على فقرائهم.
صورة عكستها الطرق المختلفة التي عبر بها كل من يحب (تشافيز) ،بين صمت الدعاء والصلوات ،وبين دموع الحزن ،وبين التصفيق احتفاء بالنصر التشافيزي على الأعداء ولو مع موته.
بغض النظر عن السيناريوهات التي جرى الحديث عنها لسبب الوفاة المبكر ،حيث شاع في أوساط فنزويلا وموآزريها سواء من بلدان أمريكا اللاتينية أو بقية دول العالم ،أن الولايات المتحدة الأمريكية متورطة في تدبير عملية اغتيال للخصم العنيد .ومع صحة الرواية أو خطئها لا نبتغي في هذه الوقفة التحقيق في سبب الوفاة ،بل نقرأ جزءاً من أطياف هذا الرحيل المميز مقارنة مع صور لحكام (مضوا) وآخرين (في السلطة) ،من أجل تشكيل وعي بالصورة المناسبة للعلاقة بين السلطة والشعوب.
اللون الأول من طيف هذا الراحل المميز ما أسميه بلون "هيبة الرحيل" ،ففي اللحظة التي شاهدت الزعماء يقفون أمام جنازته بسكينة ووقار وكأنه حاضر بينهم ،استدعيت صورتين من الأمس القريب لزعيمين كل منهما أدعى لنفسه خصوصية تجاوز فيها حدود دولته .المشهد الأول لحظة القبض على صدام وهو يخرج من حفرته ،بهيئة لم يكن بمقدور أي مخيلة استشرافية أن تتصور لصدام وضعية مذلة ومهينة كالتي خرج بها ،حيث شعره ولحيته ،والجندي الأمريكي الذي يتفحصه بطريقة مهينة ،وهو الذي طالما سمى نفسه ببطل التحرير القومي وزعيم العرب والعروبة ،ولو طالت به الأيام لقال بأنه نبي أو وصي نبي أو منقذ العالم.والمشهد الثاني الذي حضر، نموذج منتفخ آخر هو العقيد معمر القذافي الذي أظهرت صوره الأخيرة مدى صغاره وحجم شخصيته ،وشكله المنفر ،وهو المدعي انه زعيم إفريقيا والعرب وآخر أبطال القومية .أمام هاتين الصورتين كان تشافيز الذي مثل رمزا لشعوب أمريكا اللاتينية ودولها إلى جانب فديل كاسترو ،يخيم بجنازته المميزة على مشهد من الاحترام والعلو رغم انه لم يدع زعامة اللاتينية ولم يقل بأنه بطل تحريرها.
اللون الثاني من طيفه ،وهو لون "شعلة المحبة"،وقد تجلى بريق هذا اللون قبل رحيل تشافيز ،حيث تظهر التقارير بين الحين والآخر صورا من التعلق القلبي والروحي للفنزوليين بزعيمهم المحبوب وهم يدعون بشفائه ،ويصلون من أجله .كما ظهر واضحا في صورة ملايين الباكين والنادبين والمشيعين لجنازته ،والذين كرروا عبارة مهمة مفادها،رغم أن نائب الرئيس التلميذ المخلص لتشافيز ،لكن مكانته الروحية وكارزمته لن تتكرر في حياة الفنزوليين ،وأن فقده له أثر كبير في قلوبهم ونفوسهم ،وخصوصا الفقراء منهم.ويقابل هذا اللون الجميل الصورة البائسة التي تمثلها علاقة أكثر الشعوب في منطقتنا برؤوسها الراحلين والحاليين ،فالدعاء متواصل للخلاص منهم والتحرر من عبوديتهم ، كما أن مشهد التغيير في العراق ،ومشاهد الثورات العربية وما حصل لزعمائها وموقف شعوبهم منهم تكشف بجلاء عن شكل العلاقة العدائية ،طبعا لا يعني ذلك أن المشهد المشار إليه فقط في منطقتنا ،فالعالم شهد ويشهد نماذج من الدكتاتوريات والسلطات المبغوضة التي عاشت الشعوب في أسوأ حالتها تحت حكمها.
اللون الآخر من طيف تشافيز لون "الحكمة والإدارة الناجحة " ،لا نريد القول بأن فنزولا تشافيز جنة للأحلام أو نموذج التنمية الأنجح ،إلا أن الرجل استطاع أن يوجد تنمية تتناسب مع الخصوصية الفنزولية المحلية ،وتتناسب مع مواردها ،وقد اهتدت أكثر من دولة من دول أمريكا اللاتينية بهدى التجربة التشافيزية ،كما أن علاقات حسن الجوار انعكست جليا في الحضور المكثف لأغلب دول أمريكا اللاتينية ،وإعلان الحداد على تشافيز ، مقابل ذلك الألوان المنفرة التي تركتها قيادات كثيرة في عالمنا من الإصرار على عملية تخلف منظمة جرت باسم التنمية ،أو استعارت تجارب تنموية غريبة عن بيئتها ،فانقلبت إلى تخلف.يضاف إلى ذلك مصفوفة العلاقات العدائية التي تركها أغلب هؤلاء الحكام لجيرانهم والبعيدين.
أخيرا يظهر مميز لونا آخر من طيف تشافيز الجميل يتمثل في لون "الإيمان بالدولة " ،والذي يعني أن هذا الرجل آمن بدولته وعمل من أجل هذا الإيمان ،لذلك سعى أن يتربى جيل من الذين يحملون مبادئ تشافيز في العزة والممانعة والإيمان بالاشتراكية الفنزولية الخاصة .طبعا لا يمكننا استباق المستقبل لتحديد بوصلة علاقات فنزولا الجديدة ،فالمحاولات الساعية لإخراجها من محورها القديم على قدم وساق ،إلا أن المعالم الرئيسة لخلافة تشافيز تشير إلى الثبات على نهجه وطريقته.ويقف في الجانب الآخر العديد ممن ترك ألوانا قبيحة تمثلت في تصفية الخصوم والأصدقاء ،واختزال الدولة في شخصه ،بحيث تسقط الدولة بسقوطه.
لا تريد المقالة أن تقول أن تشافيز كان مبرئا من العيوب والأخطاء ، كما لا نريد القول بأن الرجل ميزان العدالة التي ينبغي أن يقاس عليه ، ولا نريد القول بأن فنزولا ليس فيها معارضة أو خالية من غير الراضين بسياسة تشافيز ،إلا أن الرجل مثل تجربة مميزة لحاكم وطني ،آمن بدولته وشعبه ،وعاش وعمل من أجل إسعادهم بكل ما يستطيع فعله ،ووقف مواقف نبيلة وبطولية في لحظات كانت أكثر قامات العالم تنحني لسياسة التركيع والتبعية ،ولذلك يستحق القول:"رحم الله تشافيز".
* مدير المركز العراقي للبحوث والدراسات










