لم تتضح بعد ولحين الانتهاء من كتابة هذا الموضوع طبيعة القرارات التي سيلجأ إليها إقليم كردستان في ضوء ما آلت إليه أوضاع المشهد السياسي العراقي وإمعان الممسكين بالسلطة على سياسة التفرد والقفز على أوليات ما يقتضيه مبدأ الشراكة الوطنية الحقة في إدارة الب
لم تتضح بعد ولحين الانتهاء من كتابة هذا الموضوع طبيعة القرارات التي سيلجأ إليها إقليم كردستان في ضوء ما آلت إليه أوضاع المشهد السياسي العراقي وإمعان الممسكين بالسلطة على سياسة التفرد والقفز على أوليات ما يقتضيه مبدأ الشراكة الوطنية الحقة في إدارة البلاد , ومع ذلك فإننا واثقون من بعد نظر القيادة الكردستانية وأطرافها في التوصل إلى خيارات هي لصالح العراق وشعبه بجميع مكوناته وترسيخ قيم الوحدة الوطنية التي لا يمكن أن تتجذر في المجتمع من دون ديمقراطية حقيقية أثبتت التجارب أن من أولوياتها ( أي الديمقراطية ) احترام حقوق المواطنين مهما كانت انتماءاتهم الدينية أو القومية أو المذهبية .
وإذا كان إقرار الموازنة الاتحادية على وفق صيغة الأغلبية التي تمت في مجلس النواب له مبرراته نوعاً ما بعد كل هذا التأخير ، فإنه من الجانب آخر يعكس طبيعة المشهد السياسي المأزوم دوما بسبب إصرار البعض على انتهاج طريقة في إدارة البلاد والعباد تثير القلق والريبة والشك لدى الملايين من المواطنين وأطراف سياسية وجدت أن كل محاولاتها للإصلاح والتغيير قوبلت بالتعنت .
إن هذا القلق من محاوله استئثار طرف واحد بالسلطة وفرض قراراته على الآخرين بصيغ متعددة وتفسيره لبنود الدستور على وفق أهدافه لا تنفرد به القوى الكردستانية فقط أو هو من نسيج القائمة العراقية فحسب بل جاهرت به قوى من داخل التحالف الوطني نفسه في أكثر من مناسبة ودعت بعضها صراحة " دولة القانون " مراجعة نهجه وتعزيز مبدأ الشراكة الوطنية في اتخاذ القرارات لأنها السبيل الوحيد للحفاظ على وحدة العراق .. لذا فإن اجتماع رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني الأخير مع برلمانيي ووزراء التحالف الكردستاني وبيان رئاسة الإقليم كان متوجها ضمن هذا الإطار ويصب باتجاه التحذير من تداعيات استمرار نهج التفرّد بالسلطة .
ولم يكن إقرار الموازنة بالصيغة المعروفة إلا واحداً من عدة قضايا خلافية أخرى سبقتها رسخت القناعة بأهمية معالجة شاملة لأسباب الأزمة السياسية من جذورها مع ملاحظة مخاطر ما يجري من ممارسات لإفراغ الديمقراطية من محتواها وتشويه مواقف الأطراف الأخرى التي تدعو إلى الإصلاح والتغيير .
وبعيداً عن موقف الانحياز غير الواعي إلى طرف دون الآخر على حساب المصلحة الوطنية للعراق فإن مراجعة بسيطة وسريعة لطبيعة المواقف الخلافية بين الإقليم والمركز تبين بشكل جليّ لا لبس فيه أن هذه الخلافات تتجاوز موضوع إقرار الموازنة الاتحادية وعدم تطبيق المادة 140 الدستورية واستحقاقات الشركات النفطية وغيرها على أهمية هذه المواضيع وحساسيتها بالنسبة للإقليم ،غير أن الطروحات الكردستانية كانت دائما ما تربط هذه المواضيع بقضايا أعمق تجسد المخاوف مما تتعرض له العملية السياسية من مخاطر سببها الرئيسي هذا التشويه لمبادئ الديمقراطية ، وعدم الالتزام بجوهر اتفاقية أربيل التي تشكلت الحكومة بموجبها برئاسة نوري المالكي التي كانت تنص على تطبيق مبدأ الشراكة الوطنية لكل الأطراف .
لقد ربطت القيادة الكردستانية منذ البدء تحقيق مطالب شعبها بتطلعات الشعب العراقي ككل وهو ما تدلل عليه القراءة المتأنية لبيان رئاسة إقليم كردستان ودعوتها أطراف التحالف الوطني إلى التشاور مع " دوله القانون " لغرض مراجعة موقفها من إدارة البلاد ، ونفس الشيء أكدته تصريحات القادة الكرد بمختلف مستوياتهم ،ومنهم نائب رئيس الوزراء روز نوري شاويس الذي قال بشأن تواجد الوزراء الكرد وقادة الكتل النيابية الكردستانية في الحكومة الاتحادية بأنها ( للتشاور مع رئاسة وحكومة وبرلمان الإقليم وقادة الأحزاب الكردستانية لغرض اتخاذ موقف ينسجم مع تطلعات شعب كردستان العادلة ومصالح الشعب العراقي في الديمقراطية والتعددية والفيدرالية ).
إذن المشكلة بصراحة هي عينها التي أوقعت العراق بمآزق كثيرة منذ تشكيل دولته عام 1921 على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، مشكلة عنوانها الرئيس شعب يتطلع إلى الديمقراطية كونها الجامع الأساس لكل المواطنين بعربهم وكردهم وتركمانهم وغيرهم ، وأنظمه كانت تنظر إلى الشعب بجميع مكوناته نظرة استعلائية ، لذا فإن العراقيين جميعا كان يجمعهم هدف تحقيق الديمقراطية وقدم على هذا الطريق التضحيات الجسام وكانوا تواقين إلى نظام ينظر إليهم جميعا بشكل متساوٍ وعادل .
لم تكن الأنظمة السابقة ومنذ العهد الملكي خالية من تشريعات وقوانين تعترف بالتنوع العرقي والديني في العراق، لكنها جميعا كانت تماطل وتفرغ هذه القوانين من جوهرها ابتداءً من الدستور العراقي عام 1925 الذي جاء في المادة السادسة منه من الباب الأول ( لا فرق بين العراقيين في الحقوق أمام القانون وإن اختلفوا في القومية والدين واللغة ) وانتهاءً ببيان آذار للحكم الذاتي عام 1970 مرورا باجتماعات عام 1961 و 1963 التي كان نصيب جميعها الفشل بسبب عقلية التعالي وحب الاستحواذ .وبعد عام 2003 وبرغم ثقل وطأة الاحتلال الأمريكي للعراق فإن كل العراقيين، ومنهم الكرد تفاءلوا بإمكانية التأسيس لنظام ديمقراطي يكفل الحياة الكريمة للجميع , غير أن الذي جرى ومع الأسف خيب الآمال العريضة للملايين من أبناء الشعب مع الاعتراف بمظاهر بسيطة من الحريات النسبية وغيرها من الإجراءات لكنها لم ترقَ إلى مستوى الطموح والتضحيات .
الشواهد على محاولات التفرد وتشويه الديمقراطية كثيرة ،من أبرزها الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان واستشراء مظاهر الفساد وعدم محاسبة المفسدين وتوفير الغطاء والحماية لهم ومحاولة تسخير القضاء لاهداف ضيقه و حصر تعيين ذوي الدرجات الخاصة والقادة العسكريين بشخص رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة دون أخذ موافقة مجلس النواب .ولو استرسلنا أكثر لذكرنا النماذج وسلوكيات تنم عن مقدار الانحراف عن النهج الديمقراطي ،ومن أخطرها افتعال الأزمات باستمرار والتشويه المتعمد لكل طرح معارض .
إن حل الأزمات وتفكيكها سواء مع الإقليم أو الأطراف السياسية الأخرى يبدأ
أولاً بمراجعة نقدية بعيداً عن أسلوب التلويح بالقوة أو فرض الإرادات والإيمان بالنهج الديمقراطي الصحيح .










