TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > الأولوية للتهدئة

الأولوية للتهدئة

نشر في: 16 مارس, 2013: 09:01 م

في أوقات الخطر قد لا يكون من المفيد توزيع اللوم على الأطراف المسؤولة. الأكثر فائدة هو حث هذه الأطراف على العمل لتقليل حجم الخطر ومحاولة احتوائه. والأطراف الأساسية المسؤولة هي أولا الكتل الرئيسة الثلاث، التحالف الوطني والعراقية والكردستاني. وهناك طرف رابع أصبح يمثل قلب الأزمة الوطنية اليوم، ويتمثل بالمتظاهرين والمعتصمين في المحافظات والمناطق السنية. ولابد من أن يكون لكل من هذه الأطرف دور يقوم به من أجل تهدئة الأوضاع السياسية والأمنية الخطيرة في البلاد.

إن الجدل حول مشروعية الاحتجاجات السنية لا معنى له. فهي مشروعة لأنها تعد من وسائل حرية التعبير عن الرأي المكفولة دستوريا. وهي مشروعة لأنها سلمية. ومشروعة لأنها نتيجة عوامل كثيرة أدت الى ما صار يعرف بـظاهرة "المظلومية السنية". ومشروعة لأن الناس في كل زمان ومكان لا تتظاهر أو تعتصم أو تحتج من دون سبب أو أسباب. خصوصا اذا كان بين المحتجين رجال دين وشيوخ قبائل، ممن يمتلكون القدرة الأكيدة على تمثيل "المجتمع العميق"، أو الأغلبية من جمهور الطائفة.

وبعبارة أخرى انها احتجاجات جمهور وليست احتجاجات نخبة. والمؤسف والمحزن، بل الخطير، هو النظرة السلبية اليها من قبل أغلبية جمهور الشيعة. فهم يرون فيها أشياء سيئة كثيرة أهمها تهديد الأمن والسلام في البلاد. وقد يعود ذلك جزئيا الى ان الذهنية العامة لم تستوعب بعد حريات التعبير. ولكن العامل الأهم هو ان التعبئة الطائفية بلغت أقصى درجاتها. فقد دخلت البيوت، وعاشرتها، وهددت بعض العوائل المختلطة طائفيا، ودمرت بعضها الآخر.

ولولا المواقف الحكيمة لمرجعية النجف والتيار الصدري، لوجدنا أنفسنا أمام صراع يفتح علينا أبوب جهنم، ويقطع الأمل بإمكانية التعايش المشترك. ولكن تلك المواقف، على نبلها وأهميتها، لم تدرأ كليا خطر مثل هذا الصراع المخيف، خصوصا وأن شبح "الحل الأمني" لازال يطوف حول الاحتجاجات السنية.

ومن المؤكد إن هناك ما يجب على هذه الاحتجاجات عمله، ومن شأنه الحد من المخاطر، وهو في المقام الأول تشكيل قيادة لهذه الاحتجاجات، تتيح امكانية توحيد خطابها وعقلنته، وتسويق هذا الخطاب الى الرأي العام والطبقة السياسية، وايجاد من يمكن التفاوض معه عندما يحين أوان التفاوض. ان نجاح أي عمل بشري رهن بالتنظيم. والفوضى والفشل هي تحصيل حاصل أي عمل من دون نظام.

إن بعض شيوخ الجنوب ومنظمات المجتمع المدني ذهب الى الأنبار، في مبادرات طيبة، استهدفت التعبير عن تفهم تلك الاحتجاجات والتعاطف مع مطالبها، وأسهمت بدرجة أو أخرى في تنفيس الاحتقان الطائفي. ولكنها للأسف سرعان ما تراجعت وخمدت. أما أغلبية الطبقة السياسية فقد تجاهلت على العموم تلك الاحتجاجات، وتصرفت معها وكأنها تجري في سومطرة. فلم نشاهد قوى من التحالف الوطني، أو التحالف الكردستاني، تزور المحافظات المحتجة، ولا حرَّكت هذه القوى أي مبادرة ذات بال تجاه هذه الاحتجاجات. لكأن الجميع مضروب أبرة مخدر.

والفرص لم تفت بالطبع على مثل هذه المبادرات. لكن كلما قل اغتنام فرص التهدئة والحل زاد المجتمع تشنجا، وتضخم الاحتقان، وتعقدت الأزمة أكثر، وتراكمت أسباب الخطر. وإنه لأمر عجيب حقا أن لا يتدبر بلد أمره بين ثلاثة مكونات. في الهند أكثر من مائة طائفة تتعايش بسلام، وفي دبي بشرية من 180 جنسية تعمل وتعيش وتستمتع، بينما نعجز عن تحقيق مصالحة بين طائفتين تتكلمان نفس اللغة وتعتنقان نفس الديانة. أليست حياة الناس ومستقبل البلد أغلى وأهم من نزاعات على هويات فرعية لا تبني بيتا ولا تبلط شارعا وفوق ذلك تحيطنا بأشباح الموت والدمار. ما اللذة من هذا الفقر؟  

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. كاطع جواد

    المشكلة يا سيدي ان قادة التظاهرات رافضين اي تدخل سياسي بحجة خشية ان تجير تلك التظاهرات لصالح هذا الطرف او ذاك كما ان شيوخ ووجهاء عشائر الوسط والجنوب قاموا مشكورين بجهد واضح في بداية التظاهرات لكنهم للاسف الشديد تعرضوا لبعض الإهانة من قبل عناصر متطرفة او

يحدث الآن

تسجيل حالات تسمم بعد تناول "لفات برگر" في ميسان

الخزانة الأميركية تفرض عقوبات على أفغان يساعدون الحوثيين

الإطاحة بعصابة خطرة لتجارة المخدرات والنصب والاحتيال في بغداد

زلزال قوي يضرب سواحل اليابان

إدارة ترامب تبحث عن دول بديلة لترحيل المهاجرين

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

 علي حسين نحن بلاد نُحكم بالخطابات والشعارات، يصدح المسؤول بصوته ليخفي فشله عن إدارة شؤون الناس.. كل مسؤول يختار طبقة صوتية خاصة به، ليخفي معها سنوات من العجزعن مواجهة واقع يسير بنا إلى...
علي حسين

كلاكيت: عن (السينمائي) وعبد العليم البناء

 علاء المفرجي علاقتي مع (السينمائي) لها حكاية، تبدأ من اختياري لها لكتابة عمودي (كلاكيت) منذ عددها الأول، ولا تنتهي بعددها الأخير. ولئن (السينمائي) تحتفل بعشريتها الأولى، كان لزاما عليّ أن أحتفل معها بهذا...
علاء المفرجي

تركيا تواجه التحول الجيوسياسي الناجم عن عودة دونالد ترامب إلى السلطة

جان ماركو ترجمة: عدوية الهلالي في الأسابيع الأخيرة، ومع ظهور الديناميكيات الجديدة للجغرافيا السياسية لترامب، تركز الاهتمام إلى حد كبير على اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية، بدلاً من التركيز على دول الطرف الثالث التي...
جان ماركو

منطق القوة وقوة المنطق.. أين يتجه صراع طهران وواشنطن؟

محمد علي الحيدري يبدو أن ملف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة دخل مرحلة جديدة من التعقيد، ليس بسبب طبيعة الخلافات القديمة، بل نتيجة تبدّل ميزان القوى الإقليمي والدولي، الذي بات يفرض مقاربة مختلفة عن...
محمد علي الحيدري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram