للفساد أجواء تناسبه، ينمو فيها وينتعش، وأهم هذه الأجواء الجهل وضعف القانون، وعدم الشعور بالآخر، فضلا عن انتعاش ظاهرة الاستحواذ في ظل أنظمة سياسية جاهلة تنتج عن حاضنة جاهلة، لذلك فإن الفساد لا ينمو ولا يعيش إلا في دهاليز الظلام، كما هي العناكب التي ته
للفساد أجواء تناسبه، ينمو فيها وينتعش، وأهم هذه الأجواء الجهل وضعف القانون، وعدم الشعور بالآخر، فضلا عن انتعاش ظاهرة الاستحواذ في ظل أنظمة سياسية جاهلة تنتج عن حاضنة جاهلة، لذلك فإن الفساد لا ينمو ولا يعيش إلا في دهاليز الظلام، كما هي العناكب التي تهرب من الضوء إلى الزوايا المظلمة، والفساد والجهل صنوان، لا يفارق أحدهما الآخر، فأينما وُجد الجهل والظلام، يوجد الفساد ويزدهر في الخفاء، حيث تتحرك فيه كل عناصر الشر التي تخشى العمل والتحرك تحت ضوء الشمس.
وبانتعاش هذه الظاهرة والقبول بالفساد تحت حجج وتبريرات كثيرة، فلابد من شيوع الشفافية في حركة الإنتاج بجميع أشكالها وأصنافها ونوعياتها وانتماءاتها أيضا، بمعنى يجب أن تكون جميع الأنشطة الرسمية والأهلية الفردية والجمعية التي لا تدخل ضمن الأسرار الشخصية، تحت البصر والبصيرة، لكي نضمن تلاشي طبقات الظلام ونرى جميعا نتائج الحراك المجتمعي الرسمي وغيره، لكي نتجاوز حالات الفساد وشبكاته التي تجد في الجهل والتخلف والظلام مرتعا نموذجيا لازدهارها ونموها، وإذا كان الربط بين الجهل والفساد مفهوما، وواضحا، فإن العمل على إبطال أسباب الجهل تُصبح ملزمة للجميع، وخلاف ذلك، فإن القبول بالجهل والظلام وبالفساد نفسه، يعني أمرا مقصودا، هنا لابد أن تتحرك الجهات المعنية لاسيما الرسمية منها، للقضاء على الجهل والظلام، كتمهيد لابد منه للقضاء على الفساد، وهذا لا يتم من دون خطط محكمة، يضعها متخصصون في القضاء على ظاهرة الفساد، سواء كانوا من الداخل أو من خارج البلد، ممن لهم تجارب في مكافحة هذا النوع من الأمراض الخطيرة، التي تستشري كما ذكرنا في المجتمعات القابعة في زوايا التخلف والظلام، يتبع هذه الخطوة، خطوة أكثر أهمية تتمثل بطريقة التنفيذ، أي بتحويل هذه الخطط المكافِحة للفساد موضع التنفيذ المجدي.
وهكذا فإن ظاهرة القبول بالفساد تتطلب مكافحة دائمة، تتعلق بالمنظمات الأهلية المعنية بهذا الأمر، بل هناك دور مهم جدا، يتعلق بالمواطن نفسه وسعيه الدؤوب في الإسهام الجاد بالقضاء على هذه الظاهرة الخطيرة، ولابد للمواطن كعنصر مهم في المجتمع أن يبادر من موقعه الاجتماعي والعملي بصورة عامة لتقديم أقصى ما يمكن إسهاما منه في الحد من تنامي الفساد ومعالجته من خلال عدد من الخطوات التي يستطيع من خلالها تخفيف وطأة هذه الظاهرة وأضرارها الفادحة التي لا تتحدد بإلحاق الضرر بشخصه أو عائلته فحسب، إنما تمتد مضاعفاتها إلى عموم أفراد وشرائح المجتمع، كذلك لابد للمواطن أن يبدأ بنفسه في مسألة معالجة هذه الظاهرة، ونعني هنا امتناعه أولا عن تقديم الرشوة تحت أي مبرر كان.
فمن غير الصحيح ولا المقبول للمواطن الواعي إعطاء الرشوة حتى لو تعلق الأمر بتسهيل معاملة أو إجراء معين، إداريا كان أو غيره، بل لابد أن يبادر بفضح من يتعاطى الرشوة من دون خوف أو تردد، وبهذه الطريقة يتحول المواطن من عامل مساعد لانتشار الفساد إلى عنصر فاعل لمكافحته، ولا يتجاوز الأمر الموظف الحكومي نفسه، بمعنى أن هناك موظفين ملتزمين أخلاقيا ووطنيا ودينيا ولا يقبلون أية حالة للفساد مهما صغر حجمها أو أضرارها، وهذا النوع من الموظفين الحكوميين له دور كبير في معالجة ظواهر الفساد والمساعدة في القضاء عليها، كما أننا نثبت أهمية نشر الوعي لمكافحة الفساد بين أفراد المجتمع كافة، من لدن المنظمات والمؤسسات المعنية بالأمر، وجعل ثقافة الزهد والنزاهة، هي الأكثر قيمة والأعلى مرتبة، من حالات الاختلاس أو تعاطي الرشوة وما شابه، ومن المهم أن تبدأ ثقافة الزهد والنزاهة، من أصغر الأعمار وأصغر التجمعات الاجتماعية، ابتداءً بالمجتمع أو المحيط العائلي، ثم المدرسي، صعودا إلى المراحل الأكبر، وذلك لنشر هذه الثقافة وجعلها سلوكا حياتيا معتادا من لدن الجميع.
إذن هناك أسباب كثيرة تجعل من الفساد المالي سلوكاً مقبولاً وظاهرة منتشرة، لذا ينبغي التحرك على تفعيل التشريعات والقوانين الصادرة بحق الفاسدين والمختلسين والمتجاوزين على المال العام، وإشعار من تدفعه نفسه نحو هذا الاتجاه بالخطر الذي يتعرض له، نتيجة لاقترافه جريمة التطاول على المال العام، وينطبق هذا على تفعيل الأعراف والأخلاقيات التي تعيب مثل هذه التجاوزات على من يقترفها، وتجعلها بمصاف الأخطاء الأخلاقية التي تمس بشرف الإنسان الذي يقوم بها، لذلك يجب أن نبادر جميعا، لكي نساهم في مكافحة الفساد الذي قد ينتشر أكثر، ويصبح أكثر ضررا علينا في حالة غض الطرف عنه، بحجة أنه لم يضر بنا ضررا مباشرا، نعم أضرار الفساد غير مباشرة، ولكنها خطيرة وتطول الجميع من دون استثناء، وأولها وأخطرها، تحطيم الاقتصاد الوطني، ثم العيش في حالة الفقر والعوز إلى أمد بعيد.










