TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > وقائع السياسة العراقية .. الأزمات والمواقف والمراجعات

وقائع السياسة العراقية .. الأزمات والمواقف والمراجعات

نشر في: 17 مارس, 2013: 09:01 م

الوقائع العراقية بأزماتها المفتوحة باتت أمام سلسلة معقدة من القراءات، قراءات في سيمياء الأزمة، وقراءات في تعالقاتها مع تاريخ محشو بالرعب كثيرا، أو مع تاريخ(معاصر) غاطس في المتحف وشكوك بقيم الحداثة والعلمنة والتنوير، وهناك بالمقابل قراءات خاضعة لعصابي

الوقائع العراقية بأزماتها المفتوحة باتت أمام سلسلة معقدة من القراءات، قراءات في سيمياء الأزمة، وقراءات في تعالقاتها مع تاريخ محشو بالرعب كثيرا، أو مع تاريخ(معاصر) غاطس في المتحف وشكوك بقيم الحداثة والعلمنة والتنوير، وهناك بالمقابل قراءات خاضعة لعصابية الشخصية العراقية التي تعودت النظر إلى الحاكميات والفقهيات والحريات بعيون الخاضع لمهيمنات التابو والمقدس!!

ما تكشفت عنه الأزمة العراقية منذ أحداث 2003 إلى اليوم هو لعبة التفكيك المرعبة في كل المراكز القديمة، إزاء اصطناع مريب لمراكز جديدة أكثر رعبا وتوحشا وأكثر قسوة وتمترسا باستيهامية التاريخ/ المتحف، والتاريخ/ الحاكمية...

موت الوقائع القديمة، وإحياء رعب الوقائع الجديدة تتركنا أمام رعب القراءات المضللة،  رعب متاهة الذاهبين إليها..إذ يقول أميل معلوف( نحن نلتحف بالتاريخ كثيرا لذلك نفقد البوصلة إلى رؤية الخارج)

التاريخ هنا، يتحول إلى حشود وجماعات وطرائق وحاكميات صغيرة(قاتلة ومقتولة)، وهذا ما يمنح هذا التاريخ المستعاد عنوة قوة تدميرية، بما فيها تدمير الذات الوطنية المؤنسنة، لأنه سيجبرها على أن تكون ذاتا تابعة، ذاتا مهيجة..

تعدد القراءات لم تخرج للأسف عن منطقة الأزمة ذاتها، إذ ظلت مجذوبة إلى معطياتها وشواهدها وتمظهراتها في الشارع وفي الساحات وفي الحلقات السياسية الضيقة، فنحن لم نجد أي دور للنخب الثقافية في الأكاديميات أو غيرها في التعاطي مع رعب التحديات الخطيرة لهذه الأزمة، ولا لأي جهد باتجاه صناعة رأي عام ضاغط يمكن أن يحشد له جمهورا نوعيا مؤثرا في مواجهة الاحداث التي تقترب من مهددات السلم الأهلي...

القراءات المتيسرة والجاهزة انحصرت في  تعطيل أي استكناه لتاريخ الأزمة والاكتفاء بالتساؤل العمومي أسباب التصعيد الغريب  في  طبيعة توجهاتها وانعكاساتها على مستقبل المشروع السياسي العراقي ومستقبل الجماعات والفرقاء السياسيين، فضلا عن القراءة التي تربط هذه الأزمة بيوميات السياسة العراقية المضطربة والمشوهة،  التي يجد فيها البعض أنها استشراف لنتيجة  الصراع التقليدي بين القوى السياسية  التي تبحث لها عن مواقع ومصالح وامتيازات  وسط  تراكب هذه  الأزمات.  لكن هناك قراءات لا تتجاوز أيضا نظرية المؤامرة، أو حسابات الصراعات العربية والإقليمية والدولية في المنطقة، إذ تربطها  بأثر التأثير الخارجي عليها،  وارتباط بعض القوى السياسية بأجندات خارجية معروفة في مرجعياتها وفي تموليلاتها ونظرتها للاصطفاف السياسي الجديد في منطقة الأزمات.

هذه القراءات وغيرها تحتاج إلى كشوفات معمقة، مثلما تحتاج إلى مواجهات وآليات فحص موضوعية لكي تضع صناعة الخطاب السياسي، بمستوى صناعة الموقف التي تتناسب والتحديات الخطيرة، لأن هذه(الصنائع) باتت خارج السيطرة، وأنها تشكل في هذا السياق  الحلقات الأكثر خطورة والأكثر تأثيرا على تطور الحياة السياسية في العراق وعلى إمكانية التداول السلمي والآمن للعديد من المفاهيم الإشكالية اليوم ،ومنها مفهوم الدولة والدستور والحريات والحقوق والمؤسسات والتوصيف المدني للدولة، إذ أن بقاء الأزمة عند الحافات، يعني بقاء عناصر التهديد الاجتماعي والأمني والسياسي، الذي قد يكون باعثا لتأجيج الشارع المهيج أصلا، والذي يعيش تداعيات رعب التاريخ، ورعب قواه الجديدة التي تستعيده بوصفه قوة مغتصبة كما يقول بعض فقهائه!

 

الحكومة وأزمة السيرورة

اليوم ونحن نواجه أزمة سيرورة  الحكومة العراقية ومواقف بعض الكتل من الاستمرار فيها أو الانسحاب منها، والذي يقابله حراك مضاد للقوى السياسية الباحثة عن مكاسب ومغانم وربما  عن تحالفات هنا وهناك استعدادا للانتخابات القادمة..

هذه المواجهة تعني بالضرورة  البحث عن  التصورات التي يمكن التعاطي معها في ظل تصاعد التداعيات الأمنية والسياسية، والتي لا يملك الكثيرون إلاّ  أن يقفوا أمامها بحثا عن موقف هو الأقرب للتطهيري إزاء ناخبيهم، خاصة وان الكثير من الوعود الانتخابية ذهبت أدراج الرياح..فضلا عن أن الكثيرين منهم يدركون بان هذه الأزمة  هي  تحصيل حاصل لعملية سياسية تعاني أساسا من تشوهات داخلية جراء المحاصصة، وجراء سوء الفهم لاستحقاقات صناعة الدولة الجديدة، والذي تسبب في إرباك وتعويم الخطوات العملية، والتنظيم المؤسساتي والبرامجي والقانوني لدعم مشروع الدولة، وبالتالي وضع المسار في المنطقة الهشة، أو عند لحظة عدمية استأثرت بها العديد من دول الطوق السياسي العربي والإقليمي، والأجندات السرية المريبة التي تسعى  إلى إيقاف عجلة العملية السياسية، وتخريب استحقاقاتها الديمقراطية، لأن أي نهوض للعراق السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي يعني ذلك إيجاد خارطة جديدة جيوسياسية في المنطقة يمكنها التأثير على الكثير من الاصطفافات والمعادلات الصراعية، بما فيه الصراع التاريخي مع إسرائيل.

إزاء هذا الواقع كيف يمكن النظر إلى مستقبل العملية السياسية؟ وهل ثمة أفق مفتوح لها لكي تضع نفسها أمام اختبار حقيقي لمشروع  الدولة التي تحتاج  بالضرورة إلى تشريعات قارّة وإلى أبنية مؤسسية، وإلى منظومات تنموية وتعليمية واجتماعية وإلى نظام وطني حقيقي لإدارة ملفاتها؟

من هنا ندرك  أن الكثير من مظاهر هذه الأزمة تعود إلى  طبيعة العملية السياسية ذاتها، وإلى التعاطي قصير النظر  من قبل  البعض في شخصنة هذه الأزمة السياسية بوصفها أزمة أشخاص، أو أزمة مكونات بعيدا عن أي استقراء عقلاني لبرامجها، والى تبني الحوارات الآمنة الكافلة لوضع هذه البرامج أمام مسؤوليات تنفيذها، وبالتالي  وضع العديد من التعقيدات في طريقها، إذ أن شخصنة الأزمة ستقودنا مستقبلا إلى صناعة عادات سياسية تتجاوز سياقها وأسبابها إلى سياقات وأسباب بعيدة عنها وذات أخطار جمة على مستقبلها، أي أن الأزمات السياسية التاريخية ستكون أزمات أشخاص وليست برامج، وأن أزمات الحوارات ستنتقل من مواجهة إمكانات تطبيق البرامج إلى التعاطي مع حساسيات الأشخاص وطبيعة موقعهم السياسي والحزبي في هذا الجانب أو ذاك.

في هذا السياق المضطرب وغير المسيطر عليه سنجد أنفسنا شئنا أم أبينا  أمام أزمات أخرى، خاصة في ما يتعلق باستمرار تشكيل حكومات للشركة الوطنية، أو وضع التهديدات المعرقلة لأي حكومة أغلبية محتملة!!وبالتالي تعويق العمل على صناعة  المواقف الحقيقية إزاء أخطار مشتركة، وإزاء تحديات عامة تهدد العراق السياسي مثلما تهدد دول الإقليم وأبرزها الإرهاب والغلو والتكفير.

إن مواجهة مثل هذه الأخطار والتحديات تفترض أساسا مواجهات منظمة، وإدارة الملفات واعية لمسؤوليتها في التعاطي مع قيم  الشراكة الوطنية وتحمل المسؤوليات وليس الوقوع في لعبة الفرجة!! وتحميل مسؤوليات أي خلل أو خرق يحدث للآخرين تحت يافطة أن هذا ليس شأني.. المرحلة السياسية المعقدة التي يعيشها العراق الآن تقتضي وجود إدارات سياسية فاعلة تملك رؤية ستراتيجية لما يجري، وتتجاوز الصغائر من الأمور، لكي لا تتعاظم هذه الصغائر في النظر المشوه إليها، وبالتالي تتهمش الأعمال الكبيرة مثل الدستور ومشروع البناء الديمقراطي، ويتفتت وسط الأزمات الموقف الحقيقي منها، وهو ما سيزيد من حجم الآلام والأزمات، ويضيّع على القوى الوطنية التي تؤمن بمستقبل العراق الفرص الحقيقية لمواجهة الأخطار والتحديات والاختلالات التي يعيش تركتها الثقيلة الناس، والوقوف عند حافة رعب الحرب الأهلية أو التقسيم.

أزمة الواقع السياسي هي أزمة جامعة، وهي انعكاس لكل هذا الذي يجري، ولكل الإرادات التي تتمترس على حساب غيرها، والتي ستتوه في مواجهات غائمة وغير عقلانية، وتسهم إلى حد كبير في تغويل الأزمة، وفي إصابة العقل الوطني بالإحباط من الديمقراطية ومن الدولة، لأن الذي يجري من صناعات مرعبة للازمات يعني التوغل عميقا في صناعة خنادق الجماعات ولمغانمها، بعيدا عن الصناعات العاقلة للمؤسسات الكافلة للتنمية والتطور والبناء الدولتي السليم..

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

العمود الثامن: أين اختفى البرلمان؟

 علي حسين يمكن القول وبثقة كبيرة أن مجلس النواب قد فقد ثقة معظم العراقيين ، بعد أن أدار ظهره للاحداث الخطيرة التي تمر بها البلاد ، وقرر بقيادة الشيخ هيبت الحلبوسي تأجيل جلساته...
علي حسين

باليت المدى: أعظم هدية في العالم

 ستار كاووش أعظم هدية يمكن أن نحصل عليها أو نمنحها هي أن نُتقاسم شيئاً جميلاً مع من نحب، شيئاً قريباً من القلب، حتى وأن كان بشكل رمزي. وعندما نُبادر بإعطاء هدية لشخص نحبه،...
ستار كاووش

خيارات تطور المجابهة الامريكية- الإسرائيلية مع إيران وتداعياتها

د. فالح الحمـراني يرسم المراقبون المهتمون في قضايا الشرق في موسكو احتمالين لتداعيات الضربات الامريكية – الإسرائيلية الجديدة في ايران يتمحور الأول على إن المنطقة أقتربت خطوات وليست خطوة نحو حرب شاملة وكارثية، وقد...
د. فالح الحمراني

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي ( 2-2 ) أمثلة صارخة على الفساد الأكاديمي الممنهج: تجارة الأطاريح والبحوث (الاقتصاد الأسود للمعرفة): انتشرت مكاتب علنية وسرية في محيط الجامعات تقوم بكتابة رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه مقابل مبالغ مالية معلومة....
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram