TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > عن الأرض والإنسان

عن الأرض والإنسان

نشر في: 17 مارس, 2013: 09:01 م

التظاهرات التي خرجت في أم قصر احتجاجاً على ترسيم الحدود مع الكويت تثير أكثر من سؤال وتستحق أكثر من وقفة. في البدء لابد من القول إنه أمر طبيعي أن يحزن الإنسان ويحتج حين يشاهد بيوتاً من مدينته تتهدم، أو يرى جزءاً من أرض بلده يُقتطع. الدار عزيزة. لكن العواطف لا تجدي نفعاً ما لم يقودها العقل. والعقل يحكم بان التظاهرات، وإن كانت حقاً مشروعاً، لا تصلح في كل الحالات. فترسيم الحدود يخضع لمعاهدات ومواثيق دولية.

من يمتلك خارطتين للعراق قبل وبعد حروب صدام، فلينظر لهما ويقارنهما ببعض. ألم تتوسع حدود الأردن باتجاه العراق؟ ألم تغب منطقة الحياد؟ ما أريد قوله إن للحروب ثمناً أقله أن تخسر جزءاً من أرضك إن بدأت بها. فإذا خسرتها، ما لك غير أن تخضع لشروط المنتصر. وإن كان صدام قد جعلنا نخسر للكويت عدة أمتار، فألمانيا بسبب حروب هتلر صارت ألمانيتين. ليس ألمانيا، حسب، بل التأريخ يذكر لنا شروطاً مهينة فرضت على خاسري الحروب أقسى مما حدث في أم قصر. لا أنكر على العراقيين حقهم في التظاهر ضد اقتطاع جزء من أرضهم. لا بل أنني معهم  من أجل غاية أخرى: أن يتذكر الحكّام أن الحروب لا تعود على الشعوب والأوطان بغير الكوارث والأحزان.

قلت إن الأرض عزيزة. وفقدان العزيز يؤلم وقد يُذِلّ. لكن ما بالكم بفقدان الأعز أو إذلاله؟ أما يستحق من الشعب أن يتظاهر ويحتج من أجله؟ بالأمس القريب، وقبل بدء ترسيم الحدود مع الكويت، أقدمت إيران على اختطاف المفكر أحمد القبانجي بسبب أفكاره لا غير. إنها ترى بأنه وغيره، ومن ضمن الغير نحن، يجب أن يكونوا عبيداً للولي الفقيه! فلماذا لم يحتج الشعب أو يتظاهر؟ من الأغلى بحسابات القيمة الوطنية والإنسانية: الأرض أم الإنسان؟

أتمنى أن تسمو غيرة العراقيين، المشهود لها، لتشمل الإنسان العراقي الذي يهدّه الفقر وتسترخص دمه المفخخات والكواتم ويسرق لقمته المفسدون.  فان كانت هناك بيوت قد هدمت على الحدود، فكم من أمل تحطم في قلوب نسائنا وأطفالنا وشبابنا الذين دفعهم العوز وتفشي البطالة إلى حد الاستجداء والنبش بالمزابل؟

سيظل الأمل يحدوني أن أشاهد تظاهرات تعمّ جنوب العراق بأكمله تزحف صوب آبار النفط التي تدرّ الملايين يومياّ. ترابط هناك إلى أن تنحني السلطة وتهدم أسوار خضراءها المترفة لتتسع وتشمل أبناء الشعب بما يتنعّم به أولادها ونساؤها وآباء نسائها أيضا. فخير العراق كبير و"سفرته" كبيرة وعامرة أيضاً.

نعم، الأرض ليست رخيصة، لكن الإنسان ليس رخيصاً أيضاً.  إنه أغلى وأثمن منها.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. المدقق

    هههههههههه. يبدو ان افلاسك جعل منك شخصا غريب الاطوار ليس له الا التحريض بقيام مظاهرات . ولا يملك سوى تنفيذ اجندة من يعمل عندهم ,, تعسا لكم سيظل اهل الجنوب الابطال تاج العراق وجوهرته ولن ينخدعوا بخططكم التي اثبتت الايام فشلها بفضل وعي الشروكية الذين تبرأوا

ملحق منارات

الأكثر قراءة

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: ‎من قتل ينار محمد ؟

العمود الثامن: حروب الكتل الأكبر

 علي حسين مثلما اصبحت "الف ليلة وليلة أشهر الحكايات في تاريخ البشرية، تحولت حكاية الكتلة الاكبر في بلاد الرافدين الى أسطورة خرافية سمّيت بالمحاصصة الطائفية ، فمنذ عام 22010 عندما حصل السيد اياد...
علي حسين

قناطر: الثورة التي خسرتُها ذاتَ يوم

طالب عبد العزيز كنتُ ما أزال شاباً؛ أعي حقيقة النظام البهلوي، حين حطّت طائرةُ السيد روح الله الموسوي الخميني في المطار، وبامّ عيني هاتين؛ كنتُ شاهدتُ الطفلة الصغيرة، وهي تمشي بقدميها الصغيرتين على أكتاف...
طالب عبد العزيز

خراب التعليم: الامتداد الممنهج لخراب المعنى

علاء جواد كاظم ليس هناك ما هو اخطر على امة من أن تتوهم أنها تتعلم، بينما هي في الحقيقة تعيد إنتاج الامية بطريقة أكثر تنظيما واناقة. فتردي التعليم لا يبدأ بانهيار جدران المدرسة، أو...
علاء جواد كاظم

كفى إستهانة بخطر التلوث الإشعاعي لذخائر اليورانيوم !

د.كاظم المقدادي (1 - 2) أنتج إستخدام أسلحة اليورانيوم المنضب تلوثاً إشعاعياً واسعاً، وخلف اَلاف الأماكن المليئة بالركام المشع، في أرجاء العراق.وقد نجم عن الإشعاع أضرار بيولوجية جسيمة. بالمقابل لم تكن إجراءات الحكومات العراقية...
د. كاظم المقدادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram