TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > استعادة نقابة الصحفيين

استعادة نقابة الصحفيين

نشر في: 19 مارس, 2013: 09:01 م

شهدت نقابة الصحفيين يوم الجمعة الماضي انتخاب نقيب جديد وستة من أعضاء مجلس إدارتها فيما يعرف بالتجديد النصفي للمجلس، وحظيت هذه الانتخابات باهتمام واسع من الرأي العام والأحزاب والقوى السياسية والمجتمع المدني، فرغم أن معركة انتخابات نقابة الصحفيين تدور

شهدت نقابة الصحفيين يوم الجمعة الماضي انتخاب نقيب جديد وستة من أعضاء مجلس إدارتها فيما يعرف بالتجديد النصفي للمجلس، وحظيت هذه الانتخابات باهتمام واسع من الرأي العام والأحزاب والقوى السياسية والمجتمع المدني، فرغم أن معركة انتخابات نقابة الصحفيين تدور على أسس نقابية ومهنية إلا أنه يستحيل استبعاد الأبعاد السياسية والحزبية عنها، نظرا للطبيعة الخاصة لنقابة الصحفيين وارتباط مهنة الصحافة ، وبالتالي النقابة بقضية حرية الصحافة والحريات العامة في المجتمع، وتنوع أشكال ملكية الصحف بين صحف «قومية» مملوكة للدولة وصحف حزبية مملوكة لأحزاب سياسية وتعبر عنها، وصحف خاصة مملوكة لرجال أعمال، واضطلاع نقابة الصحفيين بدور سياسي بارز في الفترة من عام 1953 وحتى عام 1976 في ظل غياب التعددية الحزبية وهيمنة نظام الحزب الواحد، ومعارك استقلال النقابة عن الحكم والأحزاب والثمن الذي دفعته ودفعه صحفيون دفاعا عن هذا الاستقلال.

وقراءة نتائج هذه الانتخابات في ضوء هذه الحقيقة تكشف عن نجاحات مهمة حققها الصحفيون.

أولها غياب جماعة الإخوان عن المشهد سواء في الجمعية العمومية، أو بين المرشحين ، حيث لم نلحظ وجود أي مرشح بارز محسوب سياسيا على الجماعة أو تيار الإسلام السياسي، ومن ثم في النتائج، صحيح أن نقابة الصحفيين نجت طوال السنوات الماضية من غزو جماعة الإخوان للنقابات المهنية، وظلت واحدة من نقابتين لا تهيمن عليهما الجماعة رغم وجود قيادتين تنتميان للجماعة في مجلس إدارتها تم انتخابهما على أسس نقابية ومهنية وحظيا باحترام وتقدير جموع الصحفيين - خاصة الزميل العزيز محمد عبد القدوس الذي تم انتخابه عضوا بالمجلس سبع دورات متتالية - إلا أن هذه هي المرة الأولى التي تغيب فيها الجماعة عن المشهد تماما.

النجاح الثاني تمثل في انعقاد الجمعية العمومية للنقابة وتغلب الصحفيين على حالة الإحباط واليأس التي أصابت المجتمع نتيجة لعدم تحقق أي من أهداف ثورة 25 يناير 2011 ومحاولات جماعة الإخوان وحلفائها السيطرة على مفاصل الدولة وأخونتها، وحرصهم على الحضور والتصويت رغم غياب أساليب الحشد التقليدية والتي كان يمارسها رؤساء مجالس إدارات الصحف القومية في السابق، لقد تجاوز عدد الصحفيين المشتغلين في النقابة ستة آلاف صحفي سدد منهم الاشتراك أكثر من 6200 صحفي وصحفية لهم بالتالي حق التصويت، كان مطلوبا أن يحضر نصفهم زائد واحد لصحة انعقاد الجمعية في يوم الجمعة أول مارس وهو ما لم يحدث ،حيث قل عدد الذين سجلوا أسماءهم بحوالي 1200 عن النصاب القانوني وفي يوم الجمعة الماضي (15 مارس) كان العدد المطلوب (25% + 1) لصحة انعقاد الجمعية أي توقيع 1567 من أعضاء النقابة المشتغلين والمسددين لاشتراك النقابة عن عام 2012، واكتمل النصاب في الموعد المحدد «الثالثة ظهرا»، وأدلى بصوته بالفعل أكثر من 2339 «إجمالي الأصوات الصحيحة» أي أكثر من نصف أعضاء النقابة المشتغلين.

ولأول مرة منذ فترة طويلة وتحديدا منذ عام 1979 حين انتخب «كامل زهيري» نقيبا، وكان محسوبا على المعارضة للحزب الحاكم «الحزب الوطني» والرئيس السادات، ينتخب نقيبا ينتمي للمعارضة للحكم السابق للثورة ولحكم جماعة الإخوان ومرشدها وهو الزميل «ضياء رشوان» وكان حتى عام 2010 عضوا بحزب التجمع، وينجح دون أي مساندة من حكومة أو رئيس مجلس إدارة في مؤسسة قومية.

لقد حرص جموع الصحفيين قبل الثورة وخلال حكم السادات ومبارك على انتخاب مجلس إدارة لنقابة الصحفيين ينتمي أغلبية أعضائه لتيار الاستقلال النقابي عن الحكومة والأحزاب ،وبالتالي من الصحفيين المحسوبين على المعارضة بشكل أو آخر ومن بينهم منتمون للحزب الحاكم ولكنهم منحازون لحرية الصحافة واستقلال النقابة «مثل جلال عيسى وجمال حمدي...»، وفي نفس الوقت انتخاب نقيب قريب من السلطة «حزب وطني» يكون بمثابة جسر بين النقابة الحريصة على استقلالها بحريتها في اتخاذ المواقف الصحيحة نقابيا وسياسيا، وبين السلطة الساعية دوما للهيمنة على الحياة السياسية والنقابية، وهكذا جرى في دورات متتالية انتخاب الزملاء «علي حمدي الجمال» و«صلاح جلال» و«عبد المنعم الصاوي» و«مكرم محمد أحمد» و«إبراهيم نافع» لموقع النقيب، وانتخاب مجلس يغلب عليه المعارضة، وكان الاستثناء الوحيد في هذه الفترة ونتيجة لاشتداد الخصومة بين السادات والصحفيين هو انتخاب «كامل زهيري» الصحفي والنقابي المعارض «غير الحزبي» نقيبا، ومجلس يضم معارضين ينتمي خمسة منهم لحزب التجمع الذي كان يقود المعارضة للسادات وحزبه، وهم «محمود المراغي - أمينة شفيق - حسين عبد الرازق - رشدي  أبوالحسن - جميل شفيق» وجميعهم نقابيون ومهنيون قبل انتمائهم الحزبي، وقدموا نموذجا إيجابيا في الحرص على استقلال النقابة عن الحكومة والأحزاب معا.

وحاول الصحفيون الاستمرار في تجربة النقيب الحكومي والمجلس المعارض بعد الثورة، عندما انتخبوا «ممدوح الولي» نقيبا، ولكن التجربة فشلت، فالإخوان أصحاب مدرسة «السمع والطاعة» والساعون للهيمنة على جميع مفاصل الدولة أثبتوا أنهم أغبى وأسوأ من نظام مبارك البوليسي القمعي، كما أثبت النقيب «الولي» أن انتماءه للإخوان يعلو على  انتمائه للمهنة ولنقابة الصحفيين.

ولم يكن انتخاب «ضياء رشوان» هو النجاح الوحيد، فأعضاء المجلس الستة الذين فازوا في التجديد النصفي يحملون بدورهم دلالات مهمة.

فأربعة منهم «كارم محمود - علاء ثابت - أسامة داود - جمال عبد الرحيم» كانوا أعضاء في مجلس إدارة النقابة وخرجوا في قرعة التجديد النصفي، وأعادت الجمعية العمومية انتخابهم لمواقفهم وممارساتهم خلال الدورة السابقة، سواء في القضايا النقابية أو السياسة العامة، أو في صدامهم مع مواقف النقيب «ممدوح الولي».

ولكن الدلالة الأهم تتعلق بالعضوين الجديدين المنضمين للمجلس للمرة الأولى، وهما «حنان فكري» و«خالد البلشي» ويجمع بينهما أنهما لا ينتميان لمؤسسة صحفية كبرى «قومية أو خاصة أو حزبية» تقف وراءهما، فحنان صحفية في «وطني» الأسبوعية القريبة من الكنيسة المصرية، وخالد يرأس تحرير جريدة «البديل» الإلكترونية بعد توقف «البديل» الورقية التي كان يرأس تحريرها.

ففوز «حنان فكري» يعيد التوازن لمجلس نقابة الصحفيين من زاويتين، لأول مرة منذ فترة طويلة توجد امرأتان ضمن عضوية المجلس، بعد أن غابت الصحفيات عن المجلس ثم اقتصر تمثيلهن على المقاتلة «عبير سعدي»، ولأول مرة منذ أكثر من ربع قرن هناك «قبطي» في مجلس نقابة الصحفيين!

أما «خالد البلشي» فقد بدأ حياته الصحفية معي في مجلة «اليسار» الشهرية سكرتيرا لتحريرها ومحققا بارزا، ثم رأس تحرير صحيفة «البديل» التي أصدرها مجموعة من رجال الأعمال اليساريين، وصلابته وحدته في المعارضة واستقامته جعلته معارضا في قلب المعارضة اليسارية، وأراهن أنه سيكون عنصر ضغط داخل مجلس النقابة لاتخاذ المواقف الصحيحة والضرورية خلال المرحلة القادمة، التي تواجه فيها الصحافة والنقابة مشاكل ومعارك بالغة الصعوبة، في مقدمتها بطالة مئات من الصحفيين وضرورة إلغاء الحبس في قضايا النشر وقضية الأجور وتأكيد استقلال النقابة بتوفير موارد مالية حقيقية ودائمة، وتعديل القوانين الخاصة بالصحافة والنشر، وإصدار قانون حرية الحصول على المعلومات.. إلخ.

ومبارك للنقابة.. وأهلا بالمعارك.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

العمود الثامن: أين اختفى البرلمان؟

 علي حسين يمكن القول وبثقة كبيرة أن مجلس النواب قد فقد ثقة معظم العراقيين ، بعد أن أدار ظهره للاحداث الخطيرة التي تمر بها البلاد ، وقرر بقيادة الشيخ هيبت الحلبوسي تأجيل جلساته...
علي حسين

باليت المدى: أعظم هدية في العالم

 ستار كاووش أعظم هدية يمكن أن نحصل عليها أو نمنحها هي أن نُتقاسم شيئاً جميلاً مع من نحب، شيئاً قريباً من القلب، حتى وأن كان بشكل رمزي. وعندما نُبادر بإعطاء هدية لشخص نحبه،...
ستار كاووش

خيارات تطور المجابهة الامريكية- الإسرائيلية مع إيران وتداعياتها

د. فالح الحمـراني يرسم المراقبون المهتمون في قضايا الشرق في موسكو احتمالين لتداعيات الضربات الامريكية – الإسرائيلية الجديدة في ايران يتمحور الأول على إن المنطقة أقتربت خطوات وليست خطوة نحو حرب شاملة وكارثية، وقد...
د. فالح الحمراني

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي ( 2-2 ) أمثلة صارخة على الفساد الأكاديمي الممنهج: تجارة الأطاريح والبحوث (الاقتصاد الأسود للمعرفة): انتشرت مكاتب علنية وسرية في محيط الجامعات تقوم بكتابة رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه مقابل مبالغ مالية معلومة....
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram