TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > تطوّر الأسس السياسية والمجتمع المدني

تطوّر الأسس السياسية والمجتمع المدني

نشر في: 19 مارس, 2013: 09:01 م

لم تصل المجتمعات الإنسانية إلى ما وصلت إليه الآن، وما تنعم به في الوقت الحاضر من إطلاق الحريات الشخصية وفك أسرها وانطلاقها من التخلف والظلم، إلا بعد أن أطلقت العنان للأفكار التقدمية المتحررة بعد عصر النهضة الأوروبية، فقد كانت البداية لانطلاق التطور ا

لم تصل المجتمعات الإنسانية إلى ما وصلت إليه الآن، وما تنعم به في الوقت الحاضر من إطلاق الحريات الشخصية وفك أسرها وانطلاقها من التخلف والظلم، إلا بعد أن أطلقت العنان للأفكار التقدمية المتحررة بعد عصر النهضة الأوروبية، فقد كانت البداية لانطلاق التطور السياسي الأوروبي على يد الفيلسوف الإنكليزي (توماس هوبز)  ،حيث كان يقول : (إن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان)، فيما يتصارع البشر في ما بينهم في الحياة، كل يبحث عن تحقيق مصالحه الشخصية المتضاربة مع مصالح الآخرين، ومن أجل تجنب الفوضى القاتلة كان ذلك الفيلسوف الإنكليزي (توماس هوبز) يطرح أفكاراً تدعو إلى أن يقوم الإنسان بالتنازل المقصود والكيفي إلى الملك وحده لأن الملك وحده   يملك السلطة ويستطيع أن يحقق الأمان والعدل والاستقرار والطمأنينة.

واستمرت هذه الفكرة حتى قيام الثورة الفرنسية عام / 1789، ومن ثم حدث تطور تاريخي كبير على يد الفيلسوف الفرنسي (جان جاك روسو) الذي انتقد الفيلسوف الانكليزي (هوبز) وفكرته وجاء برأي بديل جديد وهو : (أن الإنسان طيب بطبيعته، لكن المجتمع هو الذي يفسده، ولذلك يجب إصلاح المجتمع وديمقراطيته). ونتيجة لهذا الصراع الفكري من أجل الإنسان وحقوقه وحريته، تعالت دعوات وأفكار تقدمية متعددة من أجل تغليب الحريات الشخصية الديمقراطية على السلطات الدكتاتورية التي يتبعها الحكام الطغاة مما أدى إلى تبلور وظهور أفكار جديدة متحررة على يد المفكر الفرنسي (مونتسكيو) التي كانت الأهم والأشمل والأعمق التي تقوم على فصل السلطات الثلاث بعضها عن بعض (التنفيذية والتشريعية والقضائية)،  مما أدى إلى بروز وتبلور أهمية وأولوية حماية الإنسان وحريته بما يحقق الحماية له من استغلال السلطة ودكتاتوريتها بغير وجه حق ومشروع.

بعد التطور الفكري في إيجاد السبل والحلول المناسبة والصحيحة لحرية وحماية الإنسان من الظلم والاستغلال، انقسم المفكرون السياسيون إلى فريقين أساسيين، فريق يمثل الرأسماليين والبورجوازيين ويمثل ويدافع عن مصالحهم ويدعو إلى الحرية الاقتصادية وإبراز لهوية الوطنية والدفاع عنها باعتبارها تمثل البلد وتدافع عن مصالحه، ومن جهة أخرى ظهر فريق مضاد للفريق الأول، هو فريق اليسار الداعي إلى العدالة الاجتماعية والوقوف ضد استغلال الإنسان وضد جشع وجنوح الرأسمالية والتأكيد على ترسيخ نزعة الروح الإنسانية في الإنسان بدل النزعة القومية الشوفينية المتعصبة. ونتيجة لصراع الفريقين برز مفهوم (المجتمع المدني) وأصبح يتكون من منظومة واسعة من المنظمات الجماهيرية والاتحادات العمالية غير الحكومية وكذلك من المجموعات الإنسانية القائمة على الأديان السماوية والمؤسسات الأخرى، وقد أصبح هذا التجمع واسعاً وقوياً ينافس الأحزاب السياسية ويتفوق عليها. وقد أصبح العديد من زعماء منظمات المجتمع المدني يمثلون شبكات وطنية وعالمية بعد أن شاع نشاطها ونضالها في كثير من دول العالم. مما أدى إلى أن تضطلع (منظمات المجتمع المدني) بمهمة الوساطة بين الدولة والمجتمع، وبعد تطورها وتوسعها أنشئت فكرة الديمقراطية في الحكم، وأصبحت حرية الإنسان مصونة واتسع احترام حرية الرأي والرأي الآخر وقاعدة الحوار الفكري الهادئ والشفاف، وأسس صندوق الاقتراع السري في الخصومات السياسية واختلاف الرأي بين المجموعات المختلفة والحكم بين المتنازعين سياسياً وأصبحت القوانين والدساتير من وضع البشر وحسب مصلحة المجتمع وسعادته واستقراره وطمأنينته، ولم يعد القانون يحمل أفكاراً مقدسة لا يحق للإنسان الشك بها أو التدخل فيها، وأصبح من حق الفرد الاعتراض عليها وإبداء الرأي بها، وأصبح القانون والدستور يخضعان إلى قاعدة التطور نتيجة الحركة والتغيير في المجتمع من حيث الزمان والمكان، ولكنه يفرض طاعته وتنفيذه واحترامه من قبل جميع أبناء الشعب. ثم برزت ظاهرة العلمانية التي هي فصل الدين عن الدولة، لأن الدولة التي تتكون من السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، وإن رئيس الدولة الذي يصبح مسؤولاً عن إدارة الدولة يجب أن يتجرد عن الانحياز إلى الطائفة والقومية الذي ينتمي إليها، لأنه يحكم الشعب وهذا الشعب ليس موحداً عبر التاريخ وإنما متكون من مذاهب وأطياف وإثنيات مختلفة، ولذلك يجب على الدولة أن تكون محايدة وغير منحازة مذهبياً وطائفياً وإثنياً وكذلك يجب على الدولة أن تفصل بين مختلف المكونات الاجتماعية وتحكم بينها بروح العدل والإنصاف، ومن مهماتها وواجباتها تطبيق قاعدة التعايش السلمي والتآخي والمحبة والاحترام والمودة بين مختلف إثنيات ومكونات المجتمع، إن انحياز الدولة إلى أحد مذاهب المجتمع على حساب الطوائف الأخرى يفرز الكراهية والحساسية والنزاع الذي يؤدي إلى عدم الاستقرار والفوضى في المجتمع، ولذلك كان الحل التاريخي الناجح هو علمانية الدولة بمعنى حيادها وفصلها عن المذاهب والطوائف والإثنيات، عند ذلك تصبح الدولة مطاعة ومحترمه ومحبوبة من جميع أبناء الشعب .إن من أهم أسباب ومقومات انبعاث المجتمع المدني، هو الفصل بين الدولة والمجتمع وكذلك دمقرطة أجهزة الدولة وسلطاتها كي تضمن عدم تحول التعددية الضرورية للديمقراطية إلى تفكيك مكونات المجتمع. فالهدف هو تمتين وحدة المجتمع على أسس ديمقراطية ،حيث لا مكان فيها للدكتاتورية ومتاهة اللاسلطات أو فوضى واقعية اللادولة، كل ذلك تشترطه دمقرطة هياكل الدولة وبنيان المجتمع المدني في آن واحد وضمن ميثاق عهد وطني يقر بالديمقراطية ويدافع عن الحريات الديمقراطية ويقاوم أسباب غياب المؤسسات الدستورية وتمذهب الدولة ويقفل مشاركة الفرد الإيجابية في حياة الجماعة السياسية، كما يشترط ذلك اعتماد مبدأ الحوار والمصالحة الوطنية والتطور السليم لنبذ الخلافات وحلها بالتسوية والتفاهم. وكل ذلك يعتبر تربية وكفاحاً أساسه أسلوب الانتخاب عماد السلطات الديمقراطية الذي يؤدي إلى ترسيخ الاستقرار السياسي والاجتماعي، فالتحول الديمقراطي ليس سوق منافسة سياسية، أو أمراً بعيد المنال عن الحياة للإنسان، لأن الممارسة الديمقراطية عملية نقدية الطابع متواصلة وقائمة مع الحوار والعمل ويبدأ صنع التاريخ من الأعمال اليومية المتواضعة، إلا أن أهم أساس في بنيان المجتمع المدني هو القانون أو السلطات القضائية، أو دولة وإدارات ومؤسسات وسلطة القانون، فالمعايير القانونية صمام أمان الحرية والتعددية السياسية والفكرية والحزبية والتداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع وآليات النظام السياسي الشرعية وبضمان الدستور.

ولا يكفي أن يجري الإقرار بالديمقراطية في المواثيق والبرامج بالتحالفات السياسية، وإنما يجب تجسيد ذلك في الصحافة والممارسة اليومية وعلاقات القوى السياسية بعضها ببعض وتطور مختلف أشكال العمل المشترك الذي يلتقي فيه منتسبو هذه المنظمات والأحزاب، ومن الأسس الأخرى فصل الدين عن الدولة، والحل الديمقراطي للقضايا العقدية القومية، وتحديث الوعي الاجتماعي بالوعي العقلاني العلمي القادر على مجابهة التحديات ومضاعفة الوسائل العصرية التي تسهم في تحريك القناعات والقيم والمثل والمشاعر الإنسانية لدى المواطنين في اتجاهات التطور الديمقراطي والربط السليم بين الديمقراطية السياسية والتنمية الاجتماعية والاقتصادية.

لا معنى للتنمية الاقتصادية والاجتماعية إن كانت تصب في النهاية في مجتمع يسوده الاستغلال والظلم الاجتماعي، فالمجتمع المدني وحده يضمن رعاية الدولة وحمايتها. ويحقق الحقوق المدنية والسياسية وتأمين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتنموية.

إن التقدم الاجتماعي والتنمية يجب أن يقوما على أساس من قيمة الكرامة للإنسان وأن يؤديا إلى مزيد من احترام حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والثقافية، ويسهما بترسيخ المجتمع المدني في إرساء الأسس الاجتماعية والحضارية والتصنيع الأساس المادي للتنمية الوطنية والقومية. يتضح بجلاء أن الديمقراطية الصحيحة تعتبر معادلة إنسانية لها طرفان لا تتحقق إلا بهما معاً، حرية اجتماعية سياسية عبر مؤسسات مجتمع مدني حقيقي بمستوى لائق من العدالة الاجتماعية لقطاعات وطبقات المجتمع كافة يفسح المجال لظهور ودعم المبادرات الفردية والجماعية المبدعة في المجالات كافة.

إن الديمقراطية الحقة تتجسد في نهوض المجتمع المدني بأنظمته ومؤسساته التي تحترم المواطن وحرية القول والرأي له، وفي توافق هذا المجتمع مع المجتمع السياسي عبر الدولة ومؤسساتها توافقاً لا يعني إدماجاً للمجتمع المدني وتهميشاً له، بقدر ما يعني وجود حاله وحوار نقدي بينهما من أجل مصلحة المجتمع الواحد بشقّيه المدني والسياسي، وهذا يستدعي مشروعية التعددية في المواقف والآراء وتكوين الأحزاب والجمعيات والمنابر الإعلامية والصحفية والمؤسسات التمثيلية التي تشكل البرلمان وذروتها عبر الانتخابات الحرة والنزيهة.

وبما أن الديمقراطية الصحيحة من شأنها أن تفسح المجال لمساهمة الجماهير الواسعة في اتخاذ القرارات ووضع المعايير اللازمة لتحديد الحد الأدنى لمستوى المعيشة، وعلى تحديد المطالب الأساسية التي لابد من توفيرها لكل مواطن والتي تعتبر حقاً من حقوق الإنسان، وتنقسم هذه المطالب إلى قسمين تمثل الأولى المطالب السلعية الخاصة بمعيشة العائلة، كالغذاء والسكن والملبس والأدوات المنزلية والأثاث. والمجموعة الثانية تتضمن الخدمات الأساسية كمياه الشرب والكهرباء ووسائط النقل والخدمات الطبية والتعليمية والثقافية، وفي رحاب الديمقراطية تلعب النقابات والمنظمات الجماهيرية والأحزاب الوطنية دوراً أساسياً في تحديد الحد الأدنى للأجور والرواتب، ويمكن اتخاذ القرارات المناسبة بخصوص التنمية الاجتماعية وبناء المشاريع الإنتاجية التي تساعد على امتصاص البطالة وتطور نمط الإنتاج والاستهلاك والقضاء على أزمة السكن وغيرها من خلال استغلال عوائد النفط وضمان الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية،  حيث تتم إقامة أجهزة تخطيط وإحصاء ومتابعة على صعيد جميع محافظات العراق، لدراسة الظروف الملائمة التي تضمن الاعتماد على المواد الأولية في كل محافظة وإنشاء المشاريع الإنتاجية فيها واختيار البدائل التكنولوجية التي تضمن إقامة المشاريع الإنتاجية وزيادة الطلب على العمل، ومن دون تدخل الديمقراطية الصحيحة واستغلال العناصر التكنوقراطية واختيار الرجل المناسب في المكان المناسب سوف يصبح العراق دولة ريعية يعتمد كلياً على عائدات النفط فيظهر الاستهلاك الترفي للبورجوازية الطفيلية والفئات المسيطرة سياسياً في الوطن المذبوح وشعبه المستباح، مما يؤدي إلى تفاقم الأزمات في البطالة والسكن والتسول وعصابات المافيا وشح المواد الغذائية، كما أن تلك الظاهرة سوف تفرز خللاً في الأمن الغذائي ، حيث يصبح العراق دولة استهلاكية تعتمد على الدولة المصدرة للمواد الغذائية إليها مما يشكل خطراً كبيراً في حالة ظهور الأزمات الدولية وانقطاع الطرق بين تلك الدول والعراق مما يؤدي إلى خلق مجاعة بين أبناء الشعب، ولذلك يجب بناء صناعة وطنية عراقية تؤدي إلى الاكتفاء الذاتي للشعب العراقي وحماية أمنه الغذائي والوطني.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

العمود الثامن: أين اختفى البرلمان؟

 علي حسين يمكن القول وبثقة كبيرة أن مجلس النواب قد فقد ثقة معظم العراقيين ، بعد أن أدار ظهره للاحداث الخطيرة التي تمر بها البلاد ، وقرر بقيادة الشيخ هيبت الحلبوسي تأجيل جلساته...
علي حسين

باليت المدى: أعظم هدية في العالم

 ستار كاووش أعظم هدية يمكن أن نحصل عليها أو نمنحها هي أن نُتقاسم شيئاً جميلاً مع من نحب، شيئاً قريباً من القلب، حتى وأن كان بشكل رمزي. وعندما نُبادر بإعطاء هدية لشخص نحبه،...
ستار كاووش

خيارات تطور المجابهة الامريكية- الإسرائيلية مع إيران وتداعياتها

د. فالح الحمـراني يرسم المراقبون المهتمون في قضايا الشرق في موسكو احتمالين لتداعيات الضربات الامريكية – الإسرائيلية الجديدة في ايران يتمحور الأول على إن المنطقة أقتربت خطوات وليست خطوة نحو حرب شاملة وكارثية، وقد...
د. فالح الحمراني

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي ( 2-2 ) أمثلة صارخة على الفساد الأكاديمي الممنهج: تجارة الأطاريح والبحوث (الاقتصاد الأسود للمعرفة): انتشرت مكاتب علنية وسرية في محيط الجامعات تقوم بكتابة رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه مقابل مبالغ مالية معلومة....
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram