اشد ما يمكن أن يضر الموازنة، ويرفعها على شكل قفزات متتالية تقود لتزايد نفقاتها خلال الزمن، ما يتعلق بالظروف غير الطبيعية والطارئة التي تمر بها البلدان، وهذه (لا نعمة) حبا الله العراق بها خصيصا.
نحن نمر بمثل هذه الظروف منذ أربعين عاما، فمن حرب إيرانية إلى احتلال وحرب خليجية فحصارات دولية وصولا إلى حكومات دينية وانفجارات يومية !
كل هذا يضيف الأعباء على جانب نفقات الدولة، وكل هذه الأعباء لا تصب في الحقيقية في جوانب استثمارية وإنتاجية بقدر ما هي ردم لعورات ما تخلفه تلك الظروف. وهناك ألف شق وشق انفتح في الموازنة نتيجة لذلك وهي شقوق لا يمكن إلا الاستمرار في ترقيعها لكن من دون الخلاص منها بشكل نهائي.
اذكر من تلك الشقوق، مؤسسة الشهداء والمساءلة والعدالة وضحايا الأنفال وحلبجة وضحايا الإرهاب ورواتب الأرامل ودور الأيتام وتعويضات الكويت وحتى استحداث وزارة البيئة لدواعي القضاء على مخلفات الحروب وملوثاتها.
ليس أمر زيادة الأعباء المالية نتيجة مثل هذه الظروف جديدا، فقد تحدث عنها الاقتصاديون منذ زمن طويل، فهناك ما يعرف بتحليل بيكوك – وايزامن، الذي فسر النمو في الإنفاق العام في بريطانيا للفترة (1890-1955)، حيث أن الإنفاق يضطرب في الظروف الاستثنائية كالحروب أو المجاعات أو أية كوارث طبيعية، فيزداد الإنفاق في تلك الأثناء لمجابهة تلك الظروف.لكن الأكثر إثارة للانتباه، أن مستوى الإنفاق يستمر بالزيادة الى ما بعد انتهاء الأزمة، وهذا يعود الى أن لتلك الظروف آثاراً اقتصادية واجتماعية وسياسية ترتب التزامات جديدة على الدولة وهو ما سمي بـ(أثر التفقد).
هذا الشكل من الموازنات لا يرتبط بالضرورة بغايات تلبية الحاجات بقدر ما يلتزم بـ(ترقيع ما فات)، ما نمر به مرورا دائما وهو أمر يستهويني البحث فيه، لذا فقد قمت (بالبحوشة) قليلا في موازنتنا علّي أجد شيئا من هذه القفشات المضحكة المبكية في آن.
وفعلا فقد وجدت مادة تتحدث عن إنفاق مبالغ كبيرة على إحدى تلك الفقرات التي جاءت بسبب بلوى سابقة ابتلينا بها، إذ تقول المادة 28 من قانون الموازنة : مناقلة مبلغ (5) مليارات دينار الى دائرة شؤون الألغام في وزارة البيئة ، تخصص (3) مليارات دينار منها لتنفيذ البرنامج الإحصائي لضحايا الألغام والمخلفات الحربية و (2) مليار دينار منها لتنفيذ برنامج تحديد المساحات الملوثة.واضح أن ثمة برنامج يراد من خلاله إحصاء ضحايا ألغام تمت زراعتها سابقا، وواضح أن البرنامج يهدف الى تعويض هؤلاء المتضررين لاحقاً..انظروا حجم تبديد مواردنا، فهناك في الأصل ألغام تمت زراعتها لقتل الناس، وهناك ناس ماتوا من جراء ذلك، وثمة أموال تدفع من اجل إحصائهم ومن ثم أموال ستخصص لتعويضهم!
هذه مجرد قفشة عن الزيادات التي تحدث في النفقات نتيجة طيش يولد أزمة لكنها أزمة لا تنتهي بزوال الطائش الذي سببها، بل أنها تصل في سلسلة من الارتدادات الى الأجيال اللاحقة.. وكل هذا يأخذ حصة من جلود موازنتنا.











جميع التعليقات 1
احمد الربيعي
شكرا لك دكتور ميثم على هذه الالتفاتات والمداخلات التي تضع الجميع بالصورة وتضيف نوعا من الشفافية على ادارة البلد