أتمنى أن أكون مخطئاً، ولعل الكثير من العراقيين يشاركوني أمنيتي، في تقدير الأبعاد الحقيقية لبيان حزب الدعوة العراقي الذي تم نشره قبل أيام على الموقع الإلكتروني للحزب، ذلك أنني كنت أظن حتى وقت قريب، مدفوعاً بحسن نية، إن الحزب الذي يحتكر سلطة الحكومة سي
أتمنى أن أكون مخطئاً، ولعل الكثير من العراقيين يشاركوني أمنيتي، في تقدير الأبعاد الحقيقية لبيان حزب الدعوة العراقي الذي تم نشره قبل أيام على الموقع الإلكتروني للحزب، ذلك أنني كنت أظن حتى وقت قريب، مدفوعاً بحسن نية، إن الحزب الذي يحتكر سلطة الحكومة سيفيق من غفوة الانتشاء بمباهجها، ويلتفت إلى مخاطر الأوضاع السياسية المضطربة التي تعصف بالبلاد، ويعمل على قطع أذرع إخطبوط الفساد القابضة على الحياة العراقية، وإطفاء نار الفتنة الطائفية التي تهدد بحرق الناس، والتفكير بالدواعي الحقيقية التي جعلت ملايين العراقيين يخرجون في تظاهرات، واعتصامات، مطالبين السلطة بضرورة مراجعة النفس وتحقيق المطالب التي تحفط لها هيبتها، وسمعتها، وتحفظ للناس حقوقهم.
لكن بيان الحزب جاء مخالفاً للظنون.. ولربما متناغماً مع الظنون..
يؤكد البيان "أن الحكومة أوفت بالتزاماتها، واستجابت للمطالب المشروعة، وحققت ما وعدت به! وما تبقى منها يعود إلى البرلمان، الذي أصبح عاجزاً عن العمل، عاطلاً عن تشريع القوانين بسبب سوء إدارته".
هذه القفزة من فوق مطالب المتظاهرين ستبقى معلقة في الهواء من دون رصيد وطني، ولن يكتب لها النجاح في النزول إلى الأرض مرة أخرى، وهي تعكس طبيعة الرؤية الضيقة التي تتحكم بالسلطة ورجالاتها، حين يواجهون من يخالفهم، ومن يذكرهم بأخطائهم، وطريقة معالجتهم للمشكلات التي تهدد المجتمع.
وفي الوقت نفسه، إن اختصار الحلول بهذه الادعاءات، وبهذه الطريقة، يكشف عن محاولة معيبة لتجريم المتظاهرين واستنفاد صبرهم، كخطوة أولى لاتخاذ إجراءات تؤكد ما في الظنون..!
ولعل البيان الذي أصدره حزب الدعوة كان المطلوب منه أن يكون أرضية مناسبة تزيد من حجم التعبئة السلبية ضد قصدية التظاهرات والنيل من المتظاهرين، وتوفر مادة لاتهامات من دون أدلة، وتجاوزات بلا أسباب، لكل من يريد تعميق الفجوة بين شرائح المجتمع العراقي، وهو ما دعا احد القياديين في الحزب إلى القول "إن الذين ينكرون تحقيق هذه المطالب المشروعة، ويصرون على استمرار التظاهر من اجل تحقيق المطالب غير المشروعة، إنما يكشفون عن أجنداتهم تنفيذاً لمخططات خارجية تريد أن تنقلب على العملية السياسية والدستور".
ثم يخرج علينا قيادي آخر، تعودنا على تصريحاته النارية المتطرفة، ليفتي لنا "بان إقامة الصلاة الجماعية في بغداد بدعة، ونستطيع بالمقابل أن نجمع المصلين من محافظة البصرة وصولاً لبغداد ونرى من هو أكثر"!
هذه التصريحات تتلوى بين الناس مثل أفعى، إنها توشك أن تقتل بقايا أمل في إصلاح البلد أو إصلاح الحكومة نفسها.
هل بمقدورنا القول أننا نعيش عصر الببغاوات، وأن مثل هذه التصريحات هي نتيجة انفصال خلقي حاد بين العقل واللسان؟
كان حرياً بأصحاب تلك التصريحات أن يتوقفوا قليلاً عن الجري السريع، وأن يمنحوا أنفسهم فسحة من الوقت، ليستوعبوا قبل أن يتحدثوا، ذلك أنهم يصوبون سهام التواطؤ والضعف إلى قلب الدولة العراقية ونظامها السياسي قبل أي جهة أخرى، حين يصفون التظاهرات بأنها من صنع جهات خارجية، وأن المتظاهرين ينفذون مخططات أعداء العراق. إذ ليس من المعقول أن يقوم رئيس الوزراء بتشكيل لجنة حكومية للتفاوض مع المتظاهرين من أجل تلبية مطالبهم المشروعة!
ولا من المناسب القول إن لأعداء العراق مطالب مشروعة.
ثم أليس غريباً، في هذه الحال، أن تدعي الحكومة بأنها أوفت بالتزاماتها تجاه التظاهرات المصنوعة خارج العراق؟
كل العراقيين يدركون أن مطالب التظاهرات لا تقتصر على الإجراءات اليتيمة التي اتخذتها الحكومة، ولم تكن غايتها أن تجعل الحكومة تفكر أنها تخوض حرباً مقدسة مع شعب يعاني من الظلم سنيناً طويلة.
لكنهم يأملون أن تكون التظاهرات داعياً للتغيير الجذري في التفكير والأداء، والواقعة الشعبية الحاسمة التي تجعل السلطة تستفيق من غفوتها على أصوات نداءات الناس.
أيها السادة..إن الانتصار على الشعب إنما هو هزيمة للحكام، وإن للتظاهرات وجه أجمل مما ترونه بعيونكم الغائمة، ولا بد لكم أن تدركوا غاياتها الحقيقية، وأن تتعاملوا معها في إطار المقاصد الوطنية.










