TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > كيف نكتب "قصيدة نثر" انطلاقاً من نص روائيّ عالميّ؟

كيف نكتب "قصيدة نثر" انطلاقاً من نص روائيّ عالميّ؟

نشر في: 22 مارس, 2013: 09:01 م

في حصار بيروت عام 1982 قام شاعرٌ بجرد ما يحتاج إليه من حاجاته وما سيرميه منها، قبل ترك لبنان متوجِّهاً إلى دمشق. ومن بين ما رمى في شقتي الصغيرة كرّاس كبير بخط يده، دفعني الفصول لتصفّحه. وجدتُ، من بين أشياء أخرى، جُملاً أقرب للصورة الشعرية، كان يقوم باستلالها من روايات عالمية مترجَمة، ثم يكيُّفها للوزن العربي وإدراجها في قصائده، ناسباً إياها بالطبع لنفسه. ستتغيّر إلى حد بعيد أصولها مع استخدام ألفاظ جديدة وفي إطارٍ نغميّ لم تُكتب به بالأصل. كان يقوم بالعملية بنجاح منقطع النظير لا يفوح بأدنى الشبهات.

اليوم، مع سيادة قصيدة النثر، سيكون سهلاً عليه، وعلينا جميعاً، اقتناص جمل شعرية خالصة لدى كبار الروائيين العالميين، وترتيبها في نسق الأبيات المتوالية المعروف لكي (نصنع قصيدة رائعة) كما قد يقول تريستان تزارا. وهذا ما سأقدّم له المثال انطلاقاً من رواية هاينريش بول (ترجمة ياسين طه حافظ، دار المدى2012) "ولم يقل كلمة"، وأنا أقتطع جملة من هنا وأخرى من هناك:

"قلت لزجاج النافذة: شكراً

في ابتسامة بهيجة تصطاد بشوكة خشبية

سجقة في بحيرة الزيت

أمامي

دورق كبير أخضر ممتلئ خيارا غاطساً في الخلّ

أمامي

أّذُن القسّ البيضاء أثناء الاعتراف

صحن الصابون من الصينيّ الرخيص

عليه إعلان عن مصنع إسفنج

كانت تصلنا من الحقول رائحة جزّ الكراث

لم نعد نرى ضربات الفرشاة الجريئة للمداخن نافثات السواد

تلك الابتسامة مصنوعة من الجصّ

النساء المريضات لا ينبغي أخذهن إلى الفنادق".

انتهى نصي المصنوع عبر عملية اختيار محض من ناثر كبير. لكن إذا قيل لي أن هذا النص لا يستجيب لفكرة الكتلة السردية أو (الكتلوية) التي يجعلها البعض اليوم شرطاً لقصيدة النثر، فأني محظوظ بان أجد في رواية هاينريش بول المذكورة كتلة سردية نثرية لعلها تستجب بالتمام للمطلوب. هنا إذن قصيدتي الثانية التي سأسميها "قبعة":

"كلّ الناس على الأرصفة تقريباً ركعوا إلا واحدا طويل القامة يرتدي جاكيتا من المخمل المضلّع وبيريّة، ظل واقفاً لم يحرّك بيريّته أو يُخرج يديه من جيبيه. أفرحني أنه لم يدخّن. جاء أخيراً رجل أبيض الشعر، همس له بشيء، وبهزة كتف رفع بيريته وحملها بيده، لكنه لم يركع". انتهى نقلي الحرفيّ.

هل نحن أمام الطرفة أمام أمر ذي غرض جاد؟. نود الخلوص إلى أمرين: الأول هو أن كل ناثر كبير، خاصة من بين الروائيين، ينطوي على طاقة شعرية صافية خالصة، متوزَّعة في ثنايا عمله، ليس فقط على مستوى الأسلوب الشعري، الممسوس بفضاء "مُشَعْرَن" بالتمام وإنْ بدا في غاية الواقعية، وإنما أيضاً على مستوى الصورة الشعرية الموضوعة في مكانها المناسب، وعلى مستوى الخيال الذي تشعّ به. كل ذلك في نطاق هاجس مفهوميّ وبنائيّ متماسك.

الثاني: هو أن قبولنا وحماستنا لقصيدة النثر بصفتها أحد سمات الحداثة في الشعر المعاصر، ليس حماساً أعمى ومن دون أي أدنى "الشروط"، مثلها في ذلك مثل أي ممارسة إبداعية أخرى. هذان المثالان يودّان القول إن الكثير من قصائد النثر الحالية لا تعدو أن تكون عملية مونتاج لعناصر ما من رابط داخلي بينها، ليس بهدف إظهار فكرة فلسفية أو وجودية، مثل فكرة اللاتماسك الذي يَسِمُ عناصر الكينونة، وإنما لأنها تخرج منذ البدء مفتّتة، مهووسة بالكلام من أجل لعبة الكلام.

إذا كان الشعر ينبذ بطبعه الشروط والقوانين، فإنه أيضاً يُعلن بُنىً داخلية متماسكة وفق طريقته ومسالكه، ليس على مثال السموفونيات، شبه الرياضية في الموسيقى الأوربية، لكن على طريقة موسيقى الجاز مثلاً ذات التنويعات والالتواءات والارتجالات الآنية التي يقوم بها العازفون، دائما ضمن بنية لا يمكن سوى التعرّف عليها، مهما كان مقدار تبعثّر وتناثُر عناصرها.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

تجمع تجار العراق يعلن إغلاق الأسواق احتجاجاً على الرسوم الكمركية

لقاح مبتكر للإنفلونزا قابل للتعديل حسب السلالة

عُمان تجري مشاورات منفصلة مع إيران وأميركا لتهيئة استئناف المفاوضات

تحرير مختطف واعتقال 10 من خاطفيه في النجف

انتهاء المرحلة الأولى من مفاوضات واشنطن وطهران

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي يتظاهر.. المالكي يتحاور!

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

الدبلوماسية العراقية في ظلال البعث

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

العمود الثامن: يوم المليون

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

 علي حسين خرج علينا السيد نوري المالكي بتصريح مثير اخبرنا فيه ان " سوربا آذتنا كثيرا يوم كان بشار الأسد رئيسا صارت مركزا للتدريب وممرا لكل الإرهابيين الذي دخلوا العراق وقتلوا وخربوا وفجروا.....
علي حسين

كلاكيت: التسويق الكبير والاعلان وترشيحلت الاوسكار

 علاء المفرجي بشكل عام، ترشيحات جوائز الأوسكار لعام 2026 (الدورة 98) أثارت جدلاً واسعاً بين النقاد والجمهور، حيث تعكس توازناً بين الإنتاجات الهوليوودية الكبرى والأعمال المستقلة، مع تركيز ملحوظ على التنوع الثقافي والقضايا...
علاء المفرجي

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

جورج منصور منذ عودة دونالد ترامب إلى واجهة المشهد السياسي الأمريكي، عاد معه خطابٌ صداميٌّ يقوم على الإقصاء ورفض الآخر، مُتّكئأً على نظرة مصلحية ضيقة لا تعترف بالقيم التي رفعتها الولايات المتحدة شعارات لعقود،...
جورج منصور

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

رشيد الخيون أيد الكثيرون مِن العراقيين «فيتو ترامب» ضد ترشيح نوري المالكيّ رئيساً للوزراء للمرة الثَّالثة، وهو تأييد مغلّف بالخجل، لمَن هو ضد أميركا وتدخّلها، وضد المالكي أيضاً، فحزبه «الدَّعوة» ترأّس الوزارة ثلاث مرات:...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram