اختلف العراقيون بشأن وصف "التغيير من الخارج" عن طريق الآلة الحربية الأميركية: هل هو احتلال أم تحرير؟ بعضهم تصور أن العراق سيصبح الولاية الأميركية الحادية والخمسين، حمل آخرون السلاح ضد جيش يحتل بلادهم ومارسوا لعبة العنف والعنف المضاد، في
اختلف العراقيون بشأن وصف "التغيير من الخارج" عن طريق الآلة الحربية الأميركية: هل هو احتلال أم تحرير؟
بعضهم تصور أن العراق سيصبح الولاية الأميركية الحادية والخمسين، حمل آخرون السلاح ضد جيش يحتل بلادهم ومارسوا لعبة العنف والعنف المضاد، في حين ركب آخرون القطار الأميركي للوصول إلى السلطة، وأنكروا بعد ذلك أن للولايات المتحدة فضل في تخلصهم من دكتاتور بحجم صدام حسين.
وحين سقط تمثال صدام في 9 نيسان في ساحة الفردوس في بغداد هيج غبار أوصاف عكست تضارب مشاعر العراقيين وانقسامهم، فهم يستخدمون تعابير مختلفة للإشارة إلى الحدث ومدى تأثيره على نمط حياتهم.
من تراث التمثال
هو "يوم السقوط" في دلالة واضحة على إسقاط رمز للدكتاتورية، في حين فضل البعض كلمة "يوم التحرير" في إشارة مزدوجة إلى تحررهم من نظام دكتاتوري بغيض ومساندتهم للقوّة العظمى المحررة، اعترض آخرون على ما تحمله كلمة "تحرير" من معان ملتبسة، فكيف يتسنى القول بأننا تحررنا ونحن نستبدل دكتاتورية فردية يمثلها صدام بدكتاتورية دولية مثلتها جحافل جيوش قادمة من وراء المحيطات، لهذا تمسكوا بكلمة "احتلال" مع ما تدل عليه من مظاهر تدمير الدولة وفقدان سيادتها وفقدان شرائح كبيرة من العراقيين لوظائفهم، ولكرامتهم.
تميل شرائح أخرى لوصف ما جرى بوصفه "تغييرا" وهي كلمة محايدة تخفي موقف مستخدمها إن كان مؤيدا أو معارضا للتحولات التي رافقت 9 نيسان، لذا يستخدمها المثقفون براحة أكبر.
على صعيد شخصي لست مرتاحا لاستخدام وصف محايد، ولست سعيدا بمهمة المحلل والمراقب وإن كنت أتحدث مثل أي إنسان آخر من زاوية شخصية تماما، لكنها ليست بزاوية ثابتة على العموم، فعبر سنوات الاحتلال تحولت اهتماماتي وتعمق فهمي لهويتي مع تطور إحساسي الملازم لواقع متحرك. لم أكن مجرد مراقب سلبي، أو متأمل مجرد من خلال ضباب الميديا، أو متسلح من خلال نظريات العلوم الاجتماعية ومفاهيمها بموضوعية باردة، فقد كنت أعيش وأكتب مثل كثير من زملائي في العراق من داخل كوة النار، وكانت الأسئلة تتشكل أمامي من لحم ودم وأعصاب.
هوس الثنائيات التبسيطية
التغيير سواء كان قد حصل من الخارج على يد قوة خارجية كبرى، أم بفعل قوى داخلية اشتبكت أهدافها مع تحقيق مصالح الولايات المتحدة بالمنطقة، صاغ كثيرا من المواقف، اختلطت بالنوايا والانتماءات، وحملت طابعا انفعاليا.
لذا، أصبح من يؤيد التغيير وكأنه مؤيد للسياسة الأميركية بالكامل ووصف من رفض التغيير بكونه من أنصار النظام السابق، أو أحد المنتمين إلى حزب البعث المنحل، وهذا أحد الأمثلة النموذجية على الثنائيات التبسيطية للمواقف المعبرة عن ميل الناس والأحزاب في العراق للحكم على الآخرين بإدراجهم في صف العدو أو الصديق، أو بعبارة أخرى مع من هو "مع التغيير" أو مع من هو "ضد التغيير".
وقد واجهت، كما واجه زملائي بالطبع، صعوبات أمام الأسئلة التي تريد اختزال كل شيء، كل المشاعر المختلطة، كل الآمال المعقود، كل الجثث المحترقة، كل هذا اليأس والأمل، في صيغة ثنوية بيضاء أو سوداء: مع أو ضد؟
ثنائية تبسيطية أخرى لحسم المواقف تمثلت بإحصاء سلبيات التغيير في مقابل الإيجابيات، فمعارضو التغيير يضعون لائحة طويلة بسلبيات التغيير، فهو في نظرهم : دمر البنية التحتية للبلاد، أدى إلى انهيار الأمن، جذب الإرهابيين إلى الداخل، بعث الفوضى السياسية المتمثلة بكثرة عدد الأحزاب وغموض برامجها وأجنداتها، جلب المحاصصة الطائفية، أضعف الانتماء الوطني، فقدان السيادة، استشراء الفساد، ازدياد معدلات الفقر لاسيما بعد حل الجيش والأجهزة الأمنية، تردي الواقع الخدمي في مجال الكهرباء والماء والصرف الصحي، نهب ثروات البلاد الخ ..
في حين ذهب مؤيدو التغيير إلى ذكر إيجابيات عديدة مثل: إزالة نظام صدام الذي اصبح بحكم المستحيل تغييره داخليا، رفع الحصار الاقتصادي، حرية الرأي والتعبير على نحو غير مسبوق، التداول السلمي للسلطة لأول مرة في تاريخ العراق، الانفتاح المعلوماتي على العالم، حرية ممارسة الشعائر الدينية، ازدياد معدلات الدخل بالنسبة لموظفي الدولة الخ..
إلا أن المواقف الفردية للعراقيين تعكس دوافع أكثر صدقا بالنظر للتغيير المباشر الذي طرأ على حياة كل منهم، إذ ينظر الشخص من خلال تجربته المباشرة، وهي بطبيعتها تتغير حتى داخل الجماعة نفسها والعائلة الواحدة، وهنا ليس لدينا أداة تستوعب قياس هذه المشاعر المتضاربة والمتنوعة من شخص إلى آخر، ومن وقت لآخر، وبدلا من ذلك يهرب المعلقون إلى أحكام عامة وشبه مطلقة متعلقة بالكذائيات: الشيعة كذا بينما السنة كذا، أما الكرد فهم كذا، وتلك بمجملها مجرد أوصاف خادعة.
الحرب الأخرى التي بدأت
من وجهة نظري فإن تحميل الولايات المتحدة وزر أخطائنا (بما في ذلك انبثاق الطائفية) هو إنكار لأشباح التاريخ، وإذا كان لعشر سنوات أن تمر مع درس نتعلمه، فإنه لن يكون سوى ضرورة تجاوز حالة الإنكار التي تتلبسنا، وخداع الذات الذي نعيشه منذ عقود، وأن نبدأ حربنا الحقيقية ضد الخداع.
بعد مرور عشر سنوات من اللعبة، أصبح الخلاف الدلالي حول وصف التغيير من الخارج بالقوة من الماضي، نسي العراقيون الحرب ضد أميركا، أو حرب أميركا ضدهم، و أعلنوا حربا جديدة ضد بعضهم البعض.
صراع لا هوادة فيه على أشلاء بلد منقسم على ذاته، ولم تتحدد هويته بعد : هل سيكون دولاً دينية على غرار إيران، أم دولة محاصصة على النمط اللبناني، أم دولة برأس ضعيف وأطراف قوية؟.
تلك هي الأسئلة الجديدة التي أعقبت ضياع عشر سنوات بين "احتلال" و"تحرير" و"تغيير" و"انتظار". أسئلة حقيقية وصلبة، تحدد ماذا نريد ومن سنكون؟ وهي لن تنتظر احتلالا آخر لكي تجد إجابتها.
الأميركيون هم حقا صانعو عراق ما بعد 2003، كانوا "آخر" بكل معنى التوصيف العرقي والديني والجغرافي، مثل ذلك الآخر البريطاني الذي أطلق دولتنا المعاصرة للوجود في العام 1921، حتى قيل إن العراق لم يخلقه الله هكذا بل المستر ونستون تشرشل (وزير المستعمرات آنذاك)، وإذا كانت هوية البلاد قد تشكلت إزاء هذا الآخر الخارجي، فإنها اليوم ترتد على ذاتها، لتتشكل إزاء الآخر الداخلي.
الآن أصبح جلياً أن الأميركيين لم يفعلوا شيئا لإعادة خلق العراق سوى إزالة الغطاء عن قدر الطبخ لتنبعث منه كل التناقضات المكبوتة طوال عمر الدولة العراقية القصير، فبات العراقيون يعيدون تعريف أنفسهم في سياق جديد، فهم إثنياً كرد وعرب وتركمان وكلدو آشوريين، وهم دينياً مسلمون ومسيحيون ومندائيون وإيزيديون، وهم مذهبياً سنة وشيعة ، الخ.
يخاف العراقيون من هذه التعددية أكثر من خوفهم من الصواريخ عابرة القارات ومن جميع أسلحة الدمار الشامل، وأكثر من خوفهم من الدولة الصفوية والدولة العثمانية وبريطانيا العظمى والعم سام، وأكثر من خوفهم من إسرائيل وإيران والسعودية وقطر.
لأنها ببساطة تطرح على الدولة سؤالا صعبا : كيف يمكن إدارة هذه الجماعات المتنوعة في سياق من الاعتراف والعدالة، وكيف يمكن من دون قسر وإرغام تحويل هذه الجماعات إلى مجتمع؟ وعلى صعيد الأفراد تطرح سؤال
حرجا :
من هو العراقي اليوم؟
وإذا كان من نعمة للاحتلال الأميركي، فإنها تتمثل بوضع المرآة أمام وجه أزيلت أصباغه القسرية. إذ يواجه العراقيون اليوم ذاوتهم بلا رتوش، بعد أن كانوا يخافون من التعبير عن هويتهم التعددية، إذ طالما كانت في نظر الدولة تهديدا لوحدتها الوطنية، وإعلانها يعادل ارتكاب جريمة خيانة عظمى.
تاريخ العراق الحديث منذ تأسيسه 1921 يوضح طبيعة المقاربة التي تبنتها الدولة، لترويض هذا الحصان الهائج كي لا يصبح أقوى منها فيحطمها.
كانت الدولة غبية، وحشا كريها، لوياثان خلق ذاكرة زاخرة بجراحات أكبر من أن يتحملها الحاضر، عذابات لجماعات لم يعترف بها، كبت لهويات متعددة عبر عقود من تبني نموذج "دولة أمة" بمضمون قومي عروبي استبعد تقاليد الجماعات السكانية المختلفة.
وأنها لمفارقة بالنسبة لي أن أعيد اكتشاف هذه التعددية، وألوان الثقافات الفرعية الثرية التي تشكل جزءا مطمورا من ذاكرتي وهويتي. مفارقة لشاب ثلاثيني ينتمي إلى جيل عايش ثلاث حروب : الحرب ضد إيران 1980-1988 وحرب الخليج الثانية 1991 وما تلاها من حصار دولي استمر لثلاثة عشر عاما، حتى حرب الاحتلال الأخيرة 2003.
وأن يتاح لي -بنعمة التغيير- هامش من الحرية للكتابة عنها في الوقت الذي تتعرض فيه للاندثار أو الاختفاء بسبب سلسلة العنف الطائش والعشوائي الذي أطلقه احتلال بلادي من قبل قوة عظمى.
تلك هي نسختي الخاصة من تاريخ عشر سنوات من الاحتلال الأميركي، قصص سأرويها لأبنائي عن المهمشين والمعذبين والمطرودين من "الكومبارس" على مسرح التاريخ العراقي المعاصر.










