تبخّر المعجزةأول قصة عن المندائيين، وهم جماعة غنوصية قديمة تقيم على ضفاف نهري دجلة والفرات منذ أكثر من ألفي سنة، يمارسون طقوسهم تحت أجمّة النخيل محتفظين لنا بثقافات كانت تندثر لولاهم. أقل ما يوصف ذلك بكونه "معجزة مندائية" وأقصد من ذلك أن تستمر جماعة
تبخّر المعجزة
أول قصة عن المندائيين، وهم جماعة غنوصية قديمة تقيم على ضفاف نهري دجلة والفرات منذ أكثر من ألفي سنة، يمارسون طقوسهم تحت أجمّة النخيل محتفظين لنا بثقافات كانت تندثر لولاهم.
أقل ما يوصف ذلك بكونه "معجزة مندائية" وأقصد من ذلك أن تستمر جماعة قديمة طوال هذه القرون من دون أن تتعرض للذوبان في ثقافة الأغلبية أو معتقدات الديانات السائدة، إنه مؤشر على حيوية الجماعة من جهة وتسامح محيطها الاجتماعي من جهة ثانية.
لكن المعجزة الألفية تبخرت بفعل الفوضى المرافقة للاحتلال، إذ سهلت استهداف هذه الجماعة التي تحرم استخدام العنف حتى لحماية الذات، فتعرض أفرادها للقتل والخطف الانتهازي بسبب الاعتقاد بثرائهم المرتبط بممارسة مهنة صياغة الذهب.
وبذلك حقق الأميركيون ما عجزت عنه ألوان الإمبراطوريات التي توالت على حكم العراق طوال ألفي عام، فقد كان من الأعراض الجانبية لمصل الديمقراطية الذي حقنه الأميركيون بالجسد العراقي، تعريض جماعة ألفية لخطر الانقراض، واختفاء ثقافة تعد ميراثا إنسانيا لا يمكن تعويضه.
جلست مع الريش أمة "ستار جبار" رئيس الطائفة المندائية بعد إكمال جلسة تصوير في مقره الديني في الجادرية، على ضفاف نهر دجلة في بغداد، انتصب الرجل مثل ملاك قديم نازل من السماء بثيابه البيضاء المصنوعة من القطن، ينتظر تعميد رجال دين جدد "إنها مناسبة تحدث كل عشر سنوات" أخبرني ذلك وهو ينقل بصره إلى الجهة الأخرى من النهر، وكأنه يتأمل أفراد طائفته المشتتين على ربوع المعمورة "لدينا الآن اقل من 45 رجل دين مندائي حول العالم، وهم الوحيدون الذين يتكلمون لغتنا المندائية، لأن لغتنا طقسية ولا نمارسها في الحياة اليومية"
من أصل 35 ألف مندائي قبل الاحتلال الأميركي للعراق بقي اليوم اقل من ثلث العدد، حقائبهم معدة للسفر حالما تلوح فرص اللجوء إلى أي بلد أجنبي، وبغض النظر عن النتائج الإنسانية الرهيبة لهجرة الأقليات، فإن مثال المندائيين يرسل تحذيرا إلى أن الهجرة المستمرة تؤدي إلى انحسار تداول لغات الأقليات، وانقطاع ثقافتها، وضياع ذاكرتها، ومن ثم انقراض إرادتها المشتركة كجماعة، أي هويتها، وبعبارة واضحة تؤدي الهجرة إلى فناء هذه الأقليات بوصفها (جماعة)، حتى لو استمر الأفراد المشتتون في دول المنافي على قيد الحياة.
ولم أكن قبل عامين اسمع عن بهائيين يعيشون بين ظهرانينا قبل أن يتاح لي الاهتداء إلى أفراد يعتنقون هذه الديانة الحديثة منذ انطلاقها عن ارض العراق قبل أكثر من مئة وعشرين عاما. ظل البهائيون يعيشون في الظل منذ أن اصدر نظام البعث في العام 1971 قرارا يحرم النشاط البهائي ترتب عليه الحكم بالسجن على عائلات بهائية بأكملها، قبل أن يعتلي صدام حسين السلطة ويغير القرار إلى حكم بالإعدام في العام 1979.
اليوم، وبرغم افتخار الأميركيين بتأسيس نظام ديمقراطي في العراق، ما تزال القرارات التي تحظر البهائية سارية المفعول، لعدم إلغائها، وما يزال البهائيون يحملون في هوياتهم الشخصية كلمة "مسلم" في حقل الديانة. ويمارسون جلسات الدعاء داخل البيوت وبعيدا عن أعين الناس، فأماكنهم المقدسة تمت مصادرتها منذ زمن البعث، ولم تعد لهم أي من هذه الممتلكات، كما لم يتقاضوا تعويضا حتى هذه اللحظة، لان المؤسسة المعنية بدفع التعويض للسجناء ما تزال تحمل دلالة سياسية، وتعامل الأفراد المنتهكة حقوقهم بوصفهم سجناء سياسيين،في حين يرى البهائيون أنهم سجناء بسبب عقيدتهم ، فمعتقداتهم تحرم العمل السياسي، ومن ثم لا يمكن أن يعاد تصنيفهم كما جرى في عهد صدام بوصفهم سجناء سياسيين، فهم لم يكونوا كذلك ، ولن يكونوا.
أما الأشد إيلاما فهو استمرار الخرافات التي أطلقها البعثيون ضدهم، وتشويه السمعة جراء عقود من الدعاية الرسمية المبرمجة، ورفض المجتمع لهم نتيجة لذلك، قالت لي امرأة بهائية حكم عليها بالسجن لمدة 15 عاما في بداية سبعينات القرن الماضي : لقد كانت الزنزانة هي المكان الوحيد الذي أطلقت فيه حريتي، أمارس الصلاة والمناجاة وأعلن هويتي، فالجميع يعرف من أنا، ولماذا سجنت، لكني الآن خارج السجن أعيش في زنزانة تمتد قضبانها من السماء إلى الأرض، إذ يملؤني الخوف من أن أعلن من أنا، وبماذا اعتقد؟
خامنئي في الخارج . . وأوباما في الداخل
ينبغي لي أن أكون أكثر إنصافا، فقد فعل الأميركيون أكثر من ذلك بكثير، فحين زرت البصرة وشاهدت الأعلام ترفرف برحيل القوات الأميركية، انتشرت صور لخامنئي المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران المجاورة، الانطباع المباشر إن إيران انتصرت على "الشيطان الأكبر" وهو اللقب الذي اعتاد الإيرانيون إطلاقه على أميركا منذ زمن الخميني.
أصدقائي العرب يقولون في لوم واضح إن الأميركيين قدموا العراق على طبق من ذهب للإيرانيين! والبصرة تطرح في هذا السياق بوصفها مجرد ضيعة ملحقة بدولة ولاية الفقيه !
لكني ككل مشكك اعتدت على الريبة في الكليشهات الجاهزة، خاصة إذا تركت انطباعا سطحيا عن مدى تعقيد البلد الذي تركه الأميركيون.
إذ كانت هناك صور أخرى لا تظهر في وسائل الإعلام ولا يتناولها الصحفيون بالكتابة، فحين زرت الاحياء العشوائية في منطقة الزبير التي هي معقل السود في البصرة ذهلت بمشاهدة صورتين لـ"اوباما" و"مارتن لوثر كنغ" معلقتين على حائط مدرسة أسسها ناشط في مجال الدفاع عن السود.
استمعت لساعات، ثم لأيام، بشغف لا حدود له، لقصص ممثلي السود عن انحدارهم من سلالات مختلفة، وكيف جاء أجدادهم عبر مراحل التاريخ، واستوطنوا في جنوب العراق.
إن صحوة الهوية التي يمر بها السود في العراق، التي اقترنت بفوز أوباما في معركة الرئاسة الأميركية 2009، هي التي أتاحت لي أن أعيد اكتشاف ثقافة إفريقية غنية شكلت هوية البصرة الثقافية، ولا أبالغ في قولي إنها من خلال البصرة وموقعها المطل على الخليج، ومكانتها التاريخية بالنسبة للعالم الإسلامي في القرون الوسطى، أسهمت في إغناء ثقافة بلدان الخليج العربي بأسرها.
لم يسقط سوى التمثال
بعد عشر سنوات من إسقاط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس في بغداد، أفتح كشف حساب مع ذاكرة الاحتلال : هل سقط التمثال فحسب؟ هل ما يزال الدكتاتور يعيش في ذات العراقيين ما أن يصلوا إلى السلطة فيعيدوا إنتاج صورته مرارا وتكرارا؟
هل الشعب هو حقا من يخلق الدكتاتور؟ هل انحرفت قاطرة الديمقراطية عن مسارها في مكان ما واتخذت وجهة أخرى لتعيد تنصيب تماثيل جديدة ؟ هل ستنفرط التعددية إلى جزر جماعات منفصلة، فيضيع الأصغر منها في صراع الأكبر على العارض والثروة والنفوذ؟
أسئلة موجهة إلى ذاتي لا أتوقف عندها كثيرا، لأنني أعتقد أننا يجب أن نبدأ من مكان ما، لقد عثرت على ذلك في الدفاع عن هذه التعددية التي لا أستطيع تخيل العراق من دونها، إنها طريقتي للتغيير من الداخل، ولأن أقول إنني جزء من حساسية جديدة، فمن دون الإيمان بأهمية هذه التعددية، من دون "الأمل" في غد أفضل يستحيل إنجاز المهمة.










