ويظهر الدستور العراقي قلق المشرّع لإحداث أكبر قدر من التوافق للحفاظ على الروابط الوحدوية، ويتضج ذلك من خلال استعراض بسيط لبعض نصوصه المتعلقة بالسلطة، حيث نصت الفقرتان ثالثاً ورابعاً من المادة (126) (ثالثاً- لا يجوز تعديل المواد الأخرى غير المنصوص علي
ويظهر الدستور العراقي قلق المشرّع لإحداث أكبر قدر من التوافق للحفاظ على الروابط الوحدوية، ويتضج ذلك من خلال استعراض بسيط لبعض نصوصه المتعلقة بالسلطة، حيث نصت الفقرتان ثالثاً ورابعاً من المادة (126) (ثالثاً- لا يجوز تعديل المواد الأخرى غير المنصوص عليها في البند (ثانياً) من هذه المادة، إلا بعد موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام، ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة أيام .
رابعاً – لا يجوز إجراء أي تعديل على مواد الدستور، من شأنه أن ينتقص من صلاحيات الأقاليم التي لا تكون داخلة ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، إلا بموافقة السلطة التشريعية في الإقليم المعني، وموافقة أغلبية سكانه باستفتاء عام كما نصت الفقرة ثانياً من المادة (138) (أ. ينتخب مجلس النواب رئيساً للدولة ونائبين له يؤلفون مجلساً يسمى (مجلس الرئاسة) يتم انتخابه بقائمة واحدة وبأغلبية الثلثين) ، حيث أنها أغلبية لا يمكن تحققها إلا بإحداث قدر كبير من التوافق بين الكتل السياسية، ناهيك عن أن إقرار الدستور النافذ نفسه كان يتطلب موافقة الجمعية الوطنية بالأغلبية المطلقة ، على أن لا يعترض عليه ثلثا الناخبين في ثلاث محافظات وفقاً لقانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية.
إذاً، فالديمقراطية ليس لها وجه واحد وإنما تخضع لقيود وتدابير مختلفة تبعاً لاختلاف واحتياجات النماذج المطبقة لها، وقد أقرت الأمم المتحدة عدم وجود نموذج واحد للديمقراطية يمكن أن يكون مثالاً يحتذى به أو مقياساً يقاس عليه وضرورة تفهم الخصوصية المحلية للمجتمعات الديمقراطية التي تملي اختلافات في آلياتها ولا سيما نظامها الانتخابي بما يتلاءم وطبيعة تلك المجتمعات وتشكيلاتها، وتقر المؤسسة الدولية من خلال القرارات التي صدرت عن جمعيتها العمومية بأنه (ليس ثمة نظام يمكن اعتباره من منظور القانون الدولي أكثر شرعية من أي نظام آخر بشرط أن يحمل في طياته علاقة معقولة بالهدف المنصوص عليه دولياً في القانون والممارسة العملية). وقد صدرت عدة من القرارات بهذا الخصوص، كقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 46/137 وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 47/130 في 18 ديسمبر/كانون الأول 1992، وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 48/124 في 20 ديسمبر 1993م . وقد ورد مثل ذلك في تقرير الأمين العام السابق للأمم المتحدة بطرس غالي المقدم لأعمال الجلسة الخمسين للأمم المتحدة عام 1995م ،إذ جاء فيه (أن الديمقراطية ليست نمطا ينقل حرفيا من بعض الدول، إنما هي هدف يجب أن تحققه جميع الشعوب وتستوعبه جميع الثقافات ،وقد يأخذ أشكالاً كثيرة تبعا لخصائص وظروف المجتمعات .
النظام الانتخابي والنظام السياسي
من المقولات الشهيرة لمصممي النظم الانتخابية حول تأثير النظام الانتخابي في النظام السياسي (النظم الانتخابية تشبه العجلات التي تعمل على استمرار النظام السياسي ومقوماته: الانتخابات، الأنظمة الحزبية، تشكيل الحكومة، سياسة التحالفات) ، وممكن أن نضيف شكل الدولة أيضاً، إلا أن النظام الانتخابي نفسه كما ذكرنا آنفاً يخضع لمجموعة من التدابير والاشتراطات التي تفرضها المجتمعات المختلفة وفقاً لاحتياجاتها، ومن شأن هذه الاشتراطات أن تخل بعدالة النظام الانتخابي التي هي أحد أركانه الأساسية إضافة إلى ركني السهولة والفعالية. واستقراؤنا الخاص للنماذج الديمقراطية واستقصاؤنا لها بمناسبة مؤلفنا (تأثير النظم الانتخابية في النظام السياسي، دراسة مقارنة بالتجربة العراقية) أوصلنا إلى استنتاج مفاده أنه ليس هنالك نظام ديمقراطي صافٍ أو يمكن أن يكون نموذجاً يقاس عليه في ما يخص آلية تداول السلطة، وبعبارة أخرى فإن الديمقراطية في مفهومها التقليدي لا تجد لها مصداقاً في أي نموذج من تلك النماذج، وذلك لا يتعلق بأنانية الأنظمة السياسية أو تعمدها؛ وإن كان ذلك يحدث أحياناً في بعض منها عندما يعمد النظام السياسي إلى وضع تدابير تعسفية لآليات الانتخاب، كالتلاعب بتقسيمات الدوائر وتشتيت أصوات المعارضة على نحو ما فعل (جيري) حاكم ولاية ماساجوسيتس عام (1812)، وهي الطريقة التي اشتهرت باسمه أو ما فعله ديغول عام (1958) عندما قسم فرنسا إلى دوائر لم تراع فيها كثافة السكان في انتخابات مجلس الشيوخ، وتقرر للقرى تمثيل يفوق أهميتها العددية على حساب المدن الكبيرة التي كانت غالبية سكانها من العمال الذين يميل أغلبهم إلى الأحزاب اليسارية المناهضة لحكومة ديغول، بعكس القرى التي يغلب عليها الاتجاه المحافظ. كما طبقتها أكثر من مرة حكومة نابليون الثالث في فرنسا ، وما زال هذا النوع من التقسيم غير المتساوي موجوداً في فرنسا على صعيد الانتخابات الإدارية والمحلية ، وكذلك تقسيمات الدوائر التي عمد إليها النظام السياسي في الأردن بعد عام 1989م، وهو العام الذي شهد اكتساح الإسلاميين لمجلس النواب الأردني ، وبصورة عامة فإن عدم استجابة النظام الانتخابي للمفهوم التقليدي للديمقراطية أو تحقيقه للإرادة الشعبية يعود لخضوعه للحاجات الخاصة بكل نموذج لتحقيق تمثيل لكافة المكونات في ذلك المجتمع أو لتمكين بعض الفئات أو الشرائح للوصول إلى المجالس التمثيلية كما هي الحال بالنسبة للنساء والأقليات.
وسنستعرض بشكل مقتضب تلك الاشتراطات التي يضعها النظام السياسي على النظام الانتخابي وفقاً لاحتياجاته كما أسلفنا.










