تتشابه التجربتان التونسية والمصرية في السرعة التي وصلت بها تيارات الإسلام السياسي إلي السلطة، ولكن وبنفس السرعة تبين للشعبين الفشل الذريع لهذه القوي في حل أي من المشكلات التي تواجه المجتمعين سواء على الصعيد الاقتصادي -الاجتماعي أو على الصعيد الأمني.
تتشابه التجربتان التونسية والمصرية في السرعة التي وصلت بها تيارات الإسلام السياسي إلي السلطة، ولكن وبنفس السرعة تبين للشعبين الفشل الذريع لهذه القوي في حل أي من المشكلات التي تواجه المجتمعين سواء على الصعيد الاقتصادي -الاجتماعي أو على الصعيد الأمني.
وكان الشهيد «شكري بلعيد» قد أطلق الدعوة - على حد قول زوجته المحامية بسمة الخلفاوي للزميلة «نعمة عزالدين» في جريدة «الوفد - الدعوة لتوحيد أكبر عدد من الديمقراطيين والثوريين بعد أن لاحظ الجميع أن هذا التيار الديني فقد كثيرا من شعبيته في المجتمع التونسي لأنه وعد ولم يف، ولأنه كذب على الشعب، ولأنه قدم العديد من المشاريع الوهمية ولأنه تلاعب بأفراد الشعب أي أن التيار الديني فشل.
قليلة هي لحظات السعادة والفرح التي يشعر بها الإنسان الطبيعي في مصر الآن، فقد توالت على البلاد الكوارث وتراكمت أسباب كثيرة للحزن والغضب واليأس والإحباط، منذ راهن أكثرية الشعب المصري على جماعة الإخوان ومرشحها للرئاسة «د. محمد مرسي» لقيادة البلاد في أول انتخابات نيابية ورئاسية بعد الثورة، ولم يعد الندم ينفع في شيء.
ومنذ أسابيع قليلة اكتشفت - مع غيري - برنامج على قناة «سي بي سي» الفضائية يقدمه فنان لامع ومثقف أعاد لفن السخرية ألقه وتفرده هو «باسم يوسف»، أصبحت حريصا وكل أفراد أسرتي والأصدقاء والزملاء في حزب التجمع والمعارف على التواجد أمام التليفزيون في الموعد المحدد «الحادية عشرة مساء الجمعة في البداية ثم التاسعة والنصف مساء في الأسابيع الأخيرة» لنختلس من هذا الزمن التعيس ساعة نبتسم ونضحك ونفرح فيها دون أن ننسى الواقع الأليم أو نغفل عنه، ولكننا نزداد إصرارا وصلابة على مقاومة هذا الواقع والتطلع بأمل - كدنا نفقده - للمستقبل.
ولكن عشاق الظلام الكارهين لشعبهم المنتمين للجماعة التي تحكمنا وتحاصرنا وتقتل الابتسامة والأمل فينا، أو المنافقين الذين يفعلون أي شيء وكل شيء للتقرب للحاكم أي حاكم، قرروا أن يتلبسوا لباس ضباط مباحث أمن الدولة، فتقدموا بأربعة بلاغات تتناول الحلقات 6 بتاريخ 28 ديسمبر 2012 و12 و14 و15 تتهمه بإهانة رئيس الجمهورية وازدراء الدين الإسلامي.
والأغرب والأكثر مدعاة للغضب أن النائب العام المستشار طلعت إبراهيم أصدر يوم السبت الماضي أمرا بضبط وإحضار «باسم يوسف» للتحقيق معه في البلاغات المقدمة ضده، بعد أن أسند التحقيق في هذه البلاغات للمستشار محمد السيد خليفة الذي قال إنه استمع للحلقات موضوع الاتهامات كاملة واستمع لأقوال 28 مبلغا في البلاغات المقدمة ضد باسم يوسف، وبعد التحقيق مع باسم لمدة 4 ساعات يوم الأحد الماضي اصدر النائب العام قرارا بإخلاء سبيله بكفالة 15 ألف جنيه عن ثلاث قضايا «بلاغات» وتأجيل التحقيق في القضية الرابعة.
وبعيدا عن تفاصيل التحقيقات التي ستتابعها الصحافة وأجهزة الإعلام المصرية والعربية والعالمية، فهناك ثلاثة جوانب مهمة في هذه القضية تتناول أولا شخصية «باسم يوسف» وطبيعة الأدب والفن الساخر، وموقف النائب العام.
> سيفاجأ القراء بأن «باسم رأفت محمد يوسف» قاهري مولود في شهر مارس 1974 - أي أن عمره لم يتجاوز الـ 39 - وهو طبيب تخرج في كلية الطب عام 1998 ثم حصل علي دكتوراه في جراحة القلب وعضو بهيئة التدريس بكلية الطب جامعة القاهرة، إضافة إلى حصوله على رخصة مزاولة المهنة بالولايات المتحدة عام 2005 وزمالة كلية الجراحين البريطانيين عام 2006.
وبدأ الطبيب جراح القلوب «باسم يوسف» عمله الإعلامي في مارس 2011 بعد ثورة 25 يناير مباشرة بحلقات برنامج «باسم يوسف شو» على اليوتيوب، لينتقل البرنامج الذي كان يقدمه على شبكة الإنترنت مستخدما مجرد طاولة وكرسي وكاميرا واحدة ولوحة جدارية تضم صورا التقطها الهواة في ميدان التحرير، إلى قناة «أون تي في» ثم إلى قناة «سي بي سي» في واقعة هي الأولى في الشرق الأوسط أن يتحول برنامج على الإنترنت إلى برنامج على شاشة التليفزيون، ولباسم أكثر من 700 ألف متابع على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» إضافة إلى أكثر من 2 مليون معجب على صفحته على «فيس بوك».
> القضية الثانية التي يفترض أن تكون النيابة العامة على معرفة بها وهي تحقيق مع مثل هذا الفنان المبدع هي قضية الأدب والفن الساخر.
يقول د. ناصر على مقالة «فن السخرية عند أبي العلاء المعري».. «السخرية فن من فنون القول تحتاج إلى فطنة وذكاء، بحيث يستطيع صاحبها اصطياد المفارقة التي تثير الضحك، سواء كان ذلك عن طريق النكتة الشفوية أو الكاريكاتير أو القصة الساخرة، والأدب الساخر بحد ذاته يعبر عن حالة رفض للواقع من دون أن يخلق حالة مواجهة أو صدام، وأشهر النصوص الساخرة تاريخيا النص البابلي الشهير الذي يعود إلى الألف الثانية قبل الميلاد ويتضمن حوارا بين سيد وعبده.. وثمة مثل آخر وهو الحكيم اليوناني سقراط الذي سخر من قاتله وهو يتجرع السم.. وتحتاج المجتمعات إلى هذا الفن من القول خصوصا عندما تمر بظروف صعبة، هذا ما كان مع الأديب الروسي «جوجول» حين وصل الواقع الروسي إلى درجة لا تطاق، فظهر في أدبه سمة بارزة هي «الضحك من بين الدموع» فقد آمن بالإضحاك الهادف، وتولت السخرية عنده نقل الرسالة المرة في نقد الواقع نقدا إيجابيا».
ويقول الشاعر العربي الكبير أدونيس في كتابه «مقدمة الشعر العربي».. «اللون الساخر لون صعب الأداء يتطلب موهبة خاصة وذكاء حادا وبديهة حاضرة».
> القضية الثالثة تتعلق بموقف النائب العام والقانون والقضاء وأحكامه في مثل هذه القضايا التي تتعلق بحرية الرأي.
فالنائب العام المستشار طلعت إبراهيم لم يعد نائبا عاما منذ صدور قرار محكمة استئناف القاهرة «دائرة طلبات القضاة» ببطلان قرار رئيس الجمهورية بتعيينه نائبا عاما وعزل النائب العام في ذلك الحين المستشار «عبدالمجيد محمود».
فكما يقول فقهاء القانون ورجال القضاء.. «استمرار النائب العام الحالي في ظل الحكم الصادر ببطلان تعيينه سيؤدي إلى بطلان تمثيل النيابة العامة بالقضايا المنظورة أمام المحاكم استنادا إلى بطلان النائب العام.. فوكيل النائب العام الحاضر في جلسات المحكمة يأخذ سلطته من اختصاص أصيل، وهو يمثل النائب العام، وبطلان النائب العام يؤدي إلى بطلان تمثيل النيابة في القضايا».
وقد استخدم النائب العام - غير الشرعي - مادة شاذة في قانون العقوبات هي المادة 179 التي تجيز الحبس الاحتياطي في جريمة إهانة رئيس الجمهورية، عندما أمر بالإفراج عن «باسم يوسف» بكفالة خمسة آلاف جنيه في كل قضية من القضايا الثلاث التي حقق معه بشأنها، فقد ألغى المشرع منذ العهد الملكي الحبس الاحتياطي في قضايا النشر، باعتبار أن الحبس الاحتياطي ليس عقوبة ولكنه إجراء وقائي يقصد به الحيلولة بين المتهم وبين محاولة التأثير في التحقيق أو إخفاء الأدلة أو التأثير في الشهود أو هروب المتهم إذ لم يكن له مقر إقامة وعمل دائم.. «وجرائم النشر تثبت فعلا بمجرد النشر، فلا محل للخوف من ضياع الأدلة أو التأثير في الشهود أو الخوف من الهرب، حيث أن الصحفيين والكتاب و«الفنانين» شخصيات عامة لهم محل إقامة ومحل عمل دائم معروف، ومادام المشرع قد ألغى الحبس الاحتياطي في قضايا النشر بالصحف أخذاً بهذا المفهوم الصحيح للقانون، فلا يجوز أن تستثنى إحدى الجرائم «جريمة إهانة رئيس الجمهورية» من ذلك، فهذا الاستثناء له دلالات خطيرة.. أولها تحويل الحبس الاحتياطي من إجراء وقائي إلى عقوبة مسبقة بمجرد توجيه النيابة الاتهام، والثاني ورود الاستثناء على التهمة المنصوص عليها في المادة 179، يعني أن المشرع يحاول إضفاء وضع غريب على شخص رئيس الجمهورية وإكساب تصرفاته قدسية زائفة، وهو رئيس السلطة التنفيذية وتتعرض كل أعماله وقراراته للنقد طبقا للقانون.
والجريمة المنصوص عليها في المادة 179 هي من جرائم الإهانة التي ينفرد بها القانون المصري والتي طالبت نقابة الصحفيين والمؤتمر الثالث للصحفيين بإلغائها، على أساس أن جريمة الإهانة من الجرائم المنقولة عن القانون الفرنسي الصادر في عهد ديكتاتورية لويس نابليون والتي ألغيت تماما من التشريع الفرنسي منذ عام 1881 - أي منذ 132 عاما - وهي جرائم الإهانة والعيب والإخلال بالمقام والإفشاء والتضليل والتحريض وجرائم كراهية النظام والازدراء به أو البغض وتحسين الجرائم.
وتنحاز أحكام القضاء المصري لحرية الرأي، فقضت محكمة جنايات مصر في 24 يناير 1925 ببراءة د. محمد حسين هيكل من تهمة القذف في حق رئيس الوزراء وزعيم الأمة «سعد باشا زغلول» الذي اتهمه هيكل بالخيانة والعمالة للإنجليز، ونقضت محكمة النقض حكما لمحكمة الجنايات صدر بمعاقبة صحفي في تهمة إهانة مجلس النواب والشيوخ لنشره مقالا نسب فيه إلى فريق الأغلبية أنه «يعبد الحكومة ولا يحب الوطن ويضحي به لشهواته، وأنه جائع منحط ووظيفته هي التهام الوطن، وأنه محب للمال ومن السهل استرضاؤه..» ونسب إلى رئيس مجلس النواب «أنه جاهل لا يدري عمله»، ونقضت المحكمة العليا «محكمة النقض» حكم الإدانة وبرأت الصحفي.
وتوالت الأحكام في هذا الاتجاه الذي أكدته المحكمة الدستورية العليا التي قالت في حكمها في القضية رقم 37 لسنة 11 قضائية دستورية.. «إن من الخطر فرض قيود ترهق حرية التعبير بما يبعد المواطنين عن ممارستها، وأن الطريق للسلامة القومية إنما يكمن في ضمان الفرص المتكافئة للحوار المفتوح لمواجهة أشكال من المعاناة - متباينة في أبعادها - وتقرير ما يناسبها من الحلول النابعة من الإرادة العامة.. ومن ثم كان منطقيا، بل وأمرا محتوما أن ينحاز الدستور لحرية النقاش والحوار في كل أمر يتصل بالشئون العامة، ولو تضمن انتقادا حادا للقائمين بالعمل العام، إذ لا يجوز أن يفرض على غيره صمتا ولو كان معززا بالقانون، ولأن حوار القوة إهدار لسلطان العقول والحرية والإبداع والأمل والخيال، وهو في كل حال يولد رهبة تحول بين المواطنين والتعبير عن آرائهم، بما يعزز الرغبة في قمعها، ويكرس عدوان السلطة العامة المناوئة لها، مما يهدد في النهاية أمن الوطن واستقراره».
ومن أجل أمن الوطن واستقراره فليواصل باسم يوسف إمساكه بمبضع الجراح ليفجر الفرح والسعادة والأمل في قلوب كاد الظلام أن يوقف دقاتها، ويمنحنا القدرة على المواجهة والتصدي.. والانتصار.










