TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > دور النظام الانتخابي في صياغة النموذج الديمقراطي في العراق (4-7)

دور النظام الانتخابي في صياغة النموذج الديمقراطي في العراق (4-7)

نشر في: 2 إبريل, 2013: 09:01 م

النظام الانتخابي والتعددية الحزبية  يلعب النظام الانتخابي دوراً كبيراً في رسم الخارطة الحزبية لأي دولة ديمقراطية، إذ تسعى الأحزاب المتنفذة  والقوية إلى اختيار نظام انتخابي يكرس نفوذها ولا يسمح للقوى الطامحة بمنافستها (إذ من غير المحتمل أن

النظام الانتخابي والتعددية الحزبية 

يلعب النظام الانتخابي دوراً كبيراً في رسم الخارطة الحزبية لأي دولة ديمقراطية، إذ تسعى الأحزاب المتنفذة  والقوية إلى اختيار نظام انتخابي يكرس نفوذها ولا يسمح للقوى الطامحة بمنافستها (إذ من غير المحتمل أن تدعم الأحزاب الموجودة التغييرات التي تقلل من المزايا التي يتمتعون بها أو التغييرات التي تتيح الإمكانية لأحزاب منافسة جديدة، الدخول في نظام الحزب السياسي ما لم يكن هناك موجب سياسي قوي، وهكذا نرى أنه يمكن إعاقة خيارات تغيير النظام الانتخابي بالفعل) ، فقد يعمد النظام السياسي إلى الحد من كثرة الأحزاب أو تقليل عددها بطرق مختلفة، وقد يكون ذلك لتحقيق الاستقرار السياسي وتشكيل حكومات قوية خاصة في النماذج الديمقراطية التي تتبنى نظام التمثيل النسبي، إذ من أهم عيوب هذا النظام أنه يؤدي إلى تكاثر الكتل والأحزاب داخل البرلمان كما يؤدي إلى نشوء ائتلافات لتشكيل الحكومة، قد تمثل معظم الأحزاب أو الكتل السياسية، المختلفة في برامجها وأيدولوجياتها، وهذا ينعكس بدوره على بناء الحكومة وفعاليتها، حيث تستند الحكومة في ظل هذا النظام إلى أكثرية متحالفة، وغالباً ما يكون هذا التحالف هشاً، وقد ينفرط عقده قبل إتمام الحكومة لولايتها نتيجة عدم الانسجام بين الأحزاب المؤتلفة ، لذا فإن عدد الحكومات في الدول التي تتبنى نظام التمثيل النسبي هو أكبر بكثير من الحكومات التي تتبنى نظام الأغلبية، ففي إيطاليا مثلاً تخطى عدد الوزارات الائتلافية التي تم تشكيلها الخمسين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن  وللتقليل من تأثير هذا النظام في ازدياد عدد الأحزاب المتمثلة في البرلمان، تضع بعض النماذج الديمقراطية عتبة (threshold) نسبة من الأصوات لا بد أن يحصل عليها الحزب ابتداءً بدخول البرلمان، وتختلف هذه النسبة من نموذج لآخر، إذ تبلغ 10% من الأصوات في عموم الدوائر الانتخابية في تركيا ، بينما تبلغ النسبة في الجزائر 7%  وفي النرويج 4% من الأصوات العامة للحصول على مقعد من المقاعد التعويضية الـ(19).

لقد استطاع النموذج التركي من خلال تلك العتبة تحقيق قدر جيد من التوازن بين متطلبات التمثيل النسبي والحاجة لتشكيل حكومة قوية، فمنذ سنة 2002م، استطاع حزب العدالة والتنمية الحصول على الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة بمفرده إذ حصل على (34.3%) من الأصوات، وقد ارتفعت هذه النسبة إلى (46.54%) سنة 2007م، إلا أن عدد نواب حزب العدالة والتنمية انخفض من (352) نائباً عام 2002م إلى (341) نائباً عام2007م، بسبب دخول حزبين آخرين و(26) نائباً مستقلاً .

وقد تعدّى طموح حزب العدالة والتنمية تشكيل حكومة إلى السعي للحصول على الأغلبية اللازمة لتعديل الدستور في انتخابات عام 2011م، وهذا ما لم يحدث إذ حصل الحزب على (326) مقعداً بينما الأغلبية اللازمة لتعديل الدستور هي (367) مقعداً من مجموع مقاعد البرلمان التركي البالغة (550) مقعداً، ويلاحظ أنه على الرغم من ازدياد نسبة التصويت لحزب العدالة والتنمية التي بلغت أعلى حد لها في انتخابات 2011م حيث بلغت (49.9%) إلا أن عدد مقاعده انخفض عن انتخابات 2007م إلى (326) مقعداً، وذلك لأن حزب السلام والديمقراطية استطاع التكيف مع النظام الانتخابي حيث شارك مرشحوه في الانتخابات كمستقلين،وبالتالي لا يخضعون لنسبة الـ10% لدخول البرلمان، وفاز (36) مرشحاً منهم.

ومن المعروف أن العراق قد تبنى بعد 2003، نظام التمثيل النسبي لكل العمليات الانتخابية التي جرت (انتخابات الجمعية الوطنية 2005م، ومجلس النواب 2005م، وانتخابات مجالس المحافظات 2009م، وانتخابات مجلس النواب 2010م)، حيث أن هذا النظام هو الأكثر عدالة في تمثيل جميع المكونات والكتل بنسبة ما تحصل عليه من أصوات، ومن نتائجه تعدد الكتل السياسية المتمثلة داخل المجالس التمثيلية، ولاسيما مجلس النواب، إلا أنه في الوقت نفسه ووفقاً لمعظم التجارب النيابية في العالم غالباً لا يسمح لكيان سياسي أو حزب بمفرده أن يحصل على الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة، ولا بد من الدخول في ائتلافات وتحالفات مع حزب أو أحزاب أخرى لغرض الحصول على الأغلبية اللازمة لتشكيلها، بل إن بعض فقهاء القانون الدستوري يرون أن نظام التمثيل النسبي لا يؤدي الغرض من الديمقراطية التي تقوم على أساس حكم الأغلبية .

توصف الحكومة الائتلافية بأنها مصدر ضعف خطير، فهي تنطوي على مساومات تمهيدية من أجل الاشتراك في الائتلاف الحكومي، وهذا ما يؤدي إلى تأخير تشكيل الوزارة في كثير من النماذج الديمقراطية، وقد تلعب هنا الأحزاب الصغيرة دوراً كبيراً جداً يفوق حجم تمثيلها داخل المجلس من خلال محاولاتها لإثبات وجودها، وقد تصبح بيضة القبّان في تشكيل تلك الائتلافات .

وقد كانت دائماً ولادة الحكومات العراقية بعد سنة 2003م متعسرة بسبب صعوبة تشكيل التحالفات ، وأكثرها صعوبة هو تشكيل الحكومة الأخيرة بسبب الجدل حول تفسير الكتلة النيابية الأكثر عدداً ما أدى إلى اللجوء إلى المحكمة الاتحادية لتفسير نص المادة (76) من الدستور وما أعقب ذلك التفسير من جدل ونقاش .

قد يجري تقليص عدد الأحزاب من خلال الصيغ الانتخابية ونظام تخصيص المقاعد فقد تتبنى بعد النظم الديمقراطية آلية لتوزيع المقاعد من شأنها أن تحد من كثرة الأحزاب وتعقد مهمة الأحزاب الصغيرة في الحصول على مقاعد كطريقة المعدل الأقوى أو طريقة (Victor D.Hondt) البلجيكي ، إذ تعود تلك الطريقتان بالنفع على الأحزاب الكبيرة، كما تم تعقيد طريقة توزيع المقاعد المعروفة بطريقة (سانت ليغوsaint. Legüe) باستبدال القسمة على (1) إلى القسمة على (1.4) لإعاقة الأحزاب الصغيرة من الحصول على مقعد  ،علماً أنه تم تبني هذه الطريقة لأول مرة عام 1910م التي تقضي بتقسيم مجموع أصوات كل حزب على (1، 3، 5، 7، ....الخ) إلا أن هذه الصيغة قبل التعديل من شأنها أن تصب في مصلحة الأحزاب الصغيرة وهي قريبة إلى حد كبير إلى طريقة الباقي الأقوى .

وقد تنهج بعض النماذج الديمقراطية نهجاً مختلفاً في الحد من النشاط والفرص السياسية لأحزاب بعينها من الوصول إلى البرلمان، وذلك بالتأكيد يصطدم بمفهوم العدالة كما هو الحال في النموذج الديمقراطي في (تشيلي)، حيث يظهر النظام الانتخابي المتبع فيها قلق المشرعين لتحقيق الاستقرار السياسي، فعلى الرغم من أن شيلي تبنت نظام التمثيل النسبي بقائمة مفتوحة، إلا أنه ينتخب من كل دائرة عضوان اثنان ،على أن الحزب أو الائتلاف الفائز بالمقعد الأول في الدائرة إذا فاز بالمقعد الثاني فإنه لا يحصل عليه إلا إذا كان مجموع أصوات الحزب يساوي أو يزيد على ضعف أصوات الأحزاب المنافسة في نفس الدائرة مجتمعة، وإلا أُعطي المقعد إلى مرشح من حزب آخر حاصل على أعلى الأصوات من بين مرشحي الأحزاب الأخرى . ويعكس النظام الانتخابي في شيلي طبيعة التحولات السياسية في هذا البلد الذي خضع منذ عام 1973م حتى 2005 لحكم دكتاتوري عسكري، والتساؤل عند المختصين هل هذا النظام شكل من أشكال النسبية أم هو نظام أغلبية  .

إن هذه التحولات التي فرضتها قواعد العدالة الانتقالية والتي تقتضي مجموعة من التدابير لتحقيق الأمن والسلم الاجتماعيين أكثر من الحرص على تطبيق القواعد الصارمة للديمقراطية، ومثل هذه التدابير رافقت معظم النماذج الديمقراطية الناشئة بعد النزاعات المسلحة أو الحروب الأهلية، كما هو الحال في الكونغو وبروندي وكمبوديا . وعادة ما تلعب الأمم المتحدة دوراً كبيراً في تلك النماذج لإعادة تأهيل النظام السياسي فيها ليستوعب الضحايا والجناة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

العمود الثامن: أين اختفى البرلمان؟

 علي حسين يمكن القول وبثقة كبيرة أن مجلس النواب قد فقد ثقة معظم العراقيين ، بعد أن أدار ظهره للاحداث الخطيرة التي تمر بها البلاد ، وقرر بقيادة الشيخ هيبت الحلبوسي تأجيل جلساته...
علي حسين

باليت المدى: أعظم هدية في العالم

 ستار كاووش أعظم هدية يمكن أن نحصل عليها أو نمنحها هي أن نُتقاسم شيئاً جميلاً مع من نحب، شيئاً قريباً من القلب، حتى وأن كان بشكل رمزي. وعندما نُبادر بإعطاء هدية لشخص نحبه،...
ستار كاووش

خيارات تطور المجابهة الامريكية- الإسرائيلية مع إيران وتداعياتها

د. فالح الحمـراني يرسم المراقبون المهتمون في قضايا الشرق في موسكو احتمالين لتداعيات الضربات الامريكية – الإسرائيلية الجديدة في ايران يتمحور الأول على إن المنطقة أقتربت خطوات وليست خطوة نحو حرب شاملة وكارثية، وقد...
د. فالح الحمراني

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي ( 2-2 ) أمثلة صارخة على الفساد الأكاديمي الممنهج: تجارة الأطاريح والبحوث (الاقتصاد الأسود للمعرفة): انتشرت مكاتب علنية وسرية في محيط الجامعات تقوم بكتابة رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه مقابل مبالغ مالية معلومة....
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram