TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > فتّش عن الماء

فتّش عن الماء

نشر في: 3 إبريل, 2013: 09:01 م

صديقي وزير النفط في دولة ميسورة دائم التفاؤل، فهو يعتقد أن في التحذيرات من التلوث ونضوب الموارد وتغيّر المناخ كثيراً من المبالغة، ولا يرى بالتالي حاجة إلى تعديل أنماط التنمية في بلده لتتلاءم مع محدوديات الموارد وقدرة الأنظمة الطبيعية على التجدد. &laq

صديقي وزير النفط في دولة ميسورة دائم التفاؤل، فهو يعتقد أن في التحذيرات من التلوث ونضوب الموارد وتغيّر المناخ كثيراً من المبالغة، ولا يرى بالتالي حاجة إلى تعديل أنماط التنمية في بلده لتتلاءم مع محدوديات الموارد وقدرة الأنظمة الطبيعية على التجدد. «لدينا الأموال لنشتري كل ما نريده وما نفتقر إليه في بلدنا. نحتاج إلى ماء وغذاء وإلى أيد عاملة، نشتريها بأموالنا. هذا حق سيادي».
وحين نذكّر معاليه بأن هناك حدوداً للتنمية تحكمها العوامل الطبيعية، وأن هذه قد لا يمكنها استيعاب الكمّ الهائل من ملايين العمال المستوردين الذين يستنزفون البيئة المحلية، استهلاكاً ومخلفات، يجيب بأن خطط التنمية المعتمدة تتطلب هذا. نوضح لمعاليه أن هدف التنمية تحقيق سبل الحياة الرغيدة للناس، فإذا تسببت باستنزاف للرأسمال الطبيعي بما لا يمكن تعويضه، يجب تعديلها باعتماد أنماط التنمية القابلة للاستمرار. وإذ يستفسر معاليه، نعطي مثلاً أن هدف إنشاء الأبنية تلبية حاجات الناس إلى مأوى، بينما ما يحصل في حالات كثيرة هو البناء أولاً ثم البحث عمن يشغلون المباني، ولو بالاستعارة والاستيراد، وذلك لرفع أرقام الناتج المحلي فقط.
يتهمنا الصديق الوزير باعتماد أفكار غربية هدفها منع الدول النامية من تحقيق طموحاتها المشروعة، فنذكّره بأن عالم الاجتماع العربي ابن خلدون هو من علّم الغرب قبل ستمئة سنة أن على النمو أن يحترم أحوال المحيط الطبيعي. الطموح مشروع، لكن لا يمكن «استيراد» خطط التنمية الوطنية وتلزيمها إلى مقاولين دوليين.
صديقي وزير البيئة متفائل أيضاً. فكلّما أصدر تقريراً دورياً عن «الإنجازات»، يستعرض فيه الاجتماعات والدراسات والخطط، يدعوني باعتزاز إلى المشاركة في الاحتفال. وحين يقترح أحدهم أن يستعرض التقريرُ التالي التحسُّن الفعلي في أوضاع البيئة خلال سنة، لا عدد الخطط والاجتماعات، يطلب منه النظر بإيجابية إلى النصف المليء من الكأس.
بعض الأصدقاء المتشائمين، في المقابل، يُصرّون على حصر النظر بالنصف الفارغ من الكأس. فإذا نفّذ بلد ما مشروعاً رائداً لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، يتجاهلونه ويتحدثون فقط عن عدم كفاءة استخدام الطاقة في ذلك البلد. وإذا خفضت شركة صناعية استهلاكها للطاقة بنسبة 20 في المئة باعتماد تدابير لتحسين الكفاءة، يحمل عليها جماعة الغربان الناعقة لأنها لم تخفض بنسبة 40 في المئة مرة واحدة.
يذكّرني هذا بتعليق لنائبة الرئيس لشؤون البيئة في شركة جنرال إلكتريك، حين اتهم أحدهم بالخداع شركة بنت مصنعاً هو الأقل تلويثاً في مجال صناعة السيارات، لكنه ينتج واحدة من أكثر السيارات إصداراً للانبعاثات، أجابت: «أليس الأفضل أن يبدأوا ببناء مصنع نظيف، والانطلاق من هذا لتصنيع سيارة نظيفة في مرحلة لاحقة، من أن يبقى المصنع والسيارة كلاهما ملوثين؟»
بينما يتلهى المتفائل والمتشائم معاً في النظر إلى النصف المليء أو النصف الفارغ من الكأس وتدبيج النظريات، يغيب عن كليهما أن الماء يتناقص تحت أعينهما، كما الهواء يتلوث والموارد تنضب والمناخ يتغير.
في الوضع البيئي العربي الراهن، نحتاج إلى شخص ثالث غير المتفائل والمتشائم، هو الشخص العملي. إنه الذي يتوقف عن إضاعة الوقت بالنظر فرحاً إلى النصف المليء أو حزناً إلى النصف الفارغ، ويركض بحثاً عن مصدر للماء ليملأ منه الكأس، بعد أن يضعه مستقيماً لوقف الهدر.
لقد حان الوقت للانطلاق من الاكتفاء بوصف التحديات البيئية إلى العمل على حلها.

* الأمين العام للمنتدى العربي للبيئة والتنمية

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

العمود الثامن: أين اختفى البرلمان؟

 علي حسين يمكن القول وبثقة كبيرة أن مجلس النواب قد فقد ثقة معظم العراقيين ، بعد أن أدار ظهره للاحداث الخطيرة التي تمر بها البلاد ، وقرر بقيادة الشيخ هيبت الحلبوسي تأجيل جلساته...
علي حسين

باليت المدى: أعظم هدية في العالم

 ستار كاووش أعظم هدية يمكن أن نحصل عليها أو نمنحها هي أن نُتقاسم شيئاً جميلاً مع من نحب، شيئاً قريباً من القلب، حتى وأن كان بشكل رمزي. وعندما نُبادر بإعطاء هدية لشخص نحبه،...
ستار كاووش

خيارات تطور المجابهة الامريكية- الإسرائيلية مع إيران وتداعياتها

د. فالح الحمـراني يرسم المراقبون المهتمون في قضايا الشرق في موسكو احتمالين لتداعيات الضربات الامريكية – الإسرائيلية الجديدة في ايران يتمحور الأول على إن المنطقة أقتربت خطوات وليست خطوة نحو حرب شاملة وكارثية، وقد...
د. فالح الحمراني

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي ( 2-2 ) أمثلة صارخة على الفساد الأكاديمي الممنهج: تجارة الأطاريح والبحوث (الاقتصاد الأسود للمعرفة): انتشرت مكاتب علنية وسرية في محيط الجامعات تقوم بكتابة رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه مقابل مبالغ مالية معلومة....
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram