TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > دور النظام الانتخابي في صياغة النموذج الديمقراطي في العراق

دور النظام الانتخابي في صياغة النموذج الديمقراطي في العراق

نشر في: 3 إبريل, 2013: 09:01 م

(5-7)السياسة الحزبية والنظام الانتخابي والمقصود هنا قدرة الأحزاب على استثمار النظام الانتخابي وتحقيق قدر كبير من التكيف معه مما يؤدي إلى الحصول على أكبر عدد ممكن من المقاعد قد لا يتناسب وحجم الكتلة المصوتة للحزب، وهنا تنجح الأحزاب ذات الإدارة المركزي

(5-7)
السياسة الحزبية والنظام الانتخابي
والمقصود هنا قدرة الأحزاب على استثمار النظام الانتخابي وتحقيق قدر كبير من التكيف معه مما يؤدي إلى الحصول على أكبر عدد ممكن من المقاعد قد لا يتناسب وحجم الكتلة المصوتة للحزب، وهنا تنجح الأحزاب ذات الإدارة المركزية الشديدة بتنفيذ ستراتيجية تلائم طبيعة النظام الانتخابي، بينما تخفق الأحزاب التي لا تتمتع إدارتها بالمركزية في استثمار قواعدها الجماهيرية وتوجيه التصويت بالطريقة التي تؤدي إلى الحصول على أكبر عدد من المقاعد كما حدث في الانتخابات الفلسطينية التشريعية عام 2006م، فقد تماثلت أصوات فتح وحماس تقريباً، إذ حصلت حماس على (440,409) صوتاً بينما حصلت فتح على (410,409) صوت، وكان الفارق بينهما مقعداً واحداً في الانتخابات حسب صيغة القوائم النسبية، حيث حصلت حماس على 29 مقعداً وحصلت فتح على 28 مقعداً بينما كانت النتائج مختلفة تماماً وفق النظام الأغلبي، حيث حصلت حماس على 45 مقعداً ،بينما لم تحصل فتح إلا على 17 مقعداً(1)  والسبب في ذلك يعود إلى سوء الإدارة الانتخابية لفتح إذ تنافس عددٌ كبيرٌ من مرشحيها في الدائرة الواحدة على عكس حماس إذ تمتعت بإدارة مركزية لحملتها الانتخابية ،حيث كان هناك مرشح واحد لحماس في أكثر الدوائر، وكما حدث أيضاً في روسيا في انتخابات 1993م إذ أن نفس الحزب الذي فاز بأغلب الأصوات في التمثيل النسبي (وهو حزب الإصلاح الذي يرأسه يالتسن) وحصل على معظم المقاعد كان أداؤه ضعيفاً جداً في انتخابات الدوائر المنفردة بحيث لم يفز هذا الحزب سوى بـ5 مقاعد من أصل 255 مقعداً تنتخب بموجب نظام الدائرة المنفردة إذ تفوق المستقلون ومرشحو الحزب الشيوعي في ترك الدوائر، علماً أن مجموع مقاعد مجلس الدوما الروسي هي 450 مقعداً، وقد اعتبرت هذه النتائج من بين الإنذارات الكبيرة لنهاية الديمقراطية في روسيا حسب تعبير أحد الكتاب (2).
وهو نفس ما حدث في الانتخابات النيابية العراقية التي جرت في العام 2010م فقد استطاعت بعض الأحزاب المنظمة من استثمار النظام الانتخابي والحصول على عدد أكبر من مقاعد نظرائها التي حصلت على أصوات أكثر منها، كما هو الحال بالنسبة لتيار الأحرار (التيار الصدري) ،إذ أفاد من تجربة الانتخابات التمهيدية في توزيع مرشحيه جغرافياً وتوجيه قواعده من الناخبين للتصويت للمرشحين كل في منطقته. ولا يمكن أن يتم ذلك لأي كيان أو حزب إلا إذا كانت هناك مركزية شديدة بين الحزب أو الكيان وقواعده الشعبية وهذا ما يتميز به تيار الأحرار أكثر من غيره، فقد حصد تيار الأحرار مقاعد في مجلس النواب ضعف ما حصل عليه المجلس الأعلى بأقل من الأصوات التي حصل عليها المجلس بينما اعتمدت الكتل الأخرى كالمجلس الأعلى وتيار الإصلاح على كاريزما شخصية المرشحين (إبراهيم الجعفري) للإصلاح و(باقر جبر صولاغ) للمجلس الأعلى، وغيرهم ،حيث اجتذب هؤلاء معظم أصوات المقترعين بالنسبة لكياناتهم.
أما حزب الفضيلة فقد تعامل بواقعية شديدة مع النظام الانتخابي وضخ أقل عدد من المرشحين في كل محافظة، حيث بلغ عدد مرشحيه في بغداد ثلاثة فقط فاز منهم اثنان،أحدهما امرأة واعتمد السياسة نفسها في باقي المحافظات وبذلك استطاع الاستفادة من الأصوات بشكل أكبر من بقية الكيانات داخل الائتلاف.
أما بالنسبة لقائمة التحالف الكردستاني فقد نجح الحزب الديمقراطي الكردستاني أكثر من بقية الكتل الكردية في الائتلاف الكردي في توزيع مرشحيه بشكل جيد جغرافياً ولم يعتمد الكارزما الشخصية للمرشحين، بل ترك المجال للجانه المحلية لاختيار المرشحين من بينهم، وبذلك استطاع أن يستثمر النظام الانتخابي على نحو ما فعل تيار الأحرار، وقد حصل على 29 مقعداً من أصل المقاعد التي حصل عليها التحالف الكردستاني وعددها 42 مقعداً.
ونكرر أن عملية توجيه الناخبين من قبل الكيان أو الحزب تحتاج إلى وضوح العلاقة التنظيمية وإلى المركزية في تلك التنظيمات، وقد اتضح ذلك بصورة جلية في محافظة نينوى، فلقد استطاع الحزب الديمقراطي الكردستاني من توظيف قواعده من الإيزيديين وتوجيههم للتصويت للمرشحين أكثر من التصويت للقائمة، وبذلك استطاع الاستفادة من أصوات الإيزيدية بأكبر قدر ممكن بحيث فاز 6 مرشحين من الطائفة الإيزيدية من أصل المقاعد الثمانية التي فاز بها التحالف الكردستاني في المحافظة جميعهم من الحزب الديمقراطي الكردستاني.
وفي الوقت نفسه فإن الطائفة الإيزيدية في العراق حققت أكبر حضور تمثيلي لها في تاريخ الدولة العراقية وكان ذلك بسبب التركيز على التصويت للمرشحين وليس القائمة، إذ هناك 7 نواب إيزيديين في مجلس النواب بعد إضافة مقعد الكوتا.
وهذه النتائج التي تمخضت عن تطبيق النظام الانتخابي لانتخابات مجلس النواب 2010  لن تسهم مستقبلاً في تشجيع الكيانات على  الانخراط في تشكيل الائتلافات للانتخابات النيابية القادمة، وظهر ذلك بشكل واضح من خلال القوائم الحزبية التي انبرت للتنافس على مقاعد مجالس المحافظات لانتخابات مجالس الانتخابات عام 2013 ،إذ لم ينخرط كل من التيار الصدري والمجلس الإسلامي الأعلى في الائتلافات التقليدية ،وشكل كل منهم قوائم خاصة به، فقد اتبع التيار الصدري ستراتيجية مختلفة هذه المرة بتقسيمه كل محافظة إلى عدة أقسام ،فمثلاً تم تقسيم بغداد إلى أربعة أقسام وشكل قائمة لكل قسم من هذه الأقسام الأربعة ووزع مرشحيه الأساسيين عليها بعدد محدود جداً  إضافة  إلى أن كل قائمة من هذه القوائم تضم عدداً كبيراً من المستقلين، وبالمحصلة فإن التيار الصدري سيستغل أصوات المستغلين بشكل جيد لمصلحة القائمة وذلك سيصب بالنتيجة  في منفعة مرشحيه الأساسيين في تلك القوائم. أما المجلس الأعلى فقد شكل قائمة واحدة كبيرة باسم كتلة المواطن ضمت أحزاباً صغيرة ومستقلين في اتجاه لتحشيد أكبر للأصوات وكذلك التركيز على عدد معين من مرشحيه المنضوين في تلك القائمة.
إن تلك التدابير تظهر حرص الأحزاب التقليدية للاستفادة والتكيف لطبيعة النظام الانتخابي واستثماره بشكل أمثل، إلا أن المستقلين والأحزاب الصغيرة المنضوية في قوائم تلك الأحزاب لم يعوا تلك التدابير وستذهب معظم أصواتهم لمصلحة القائمة ،وبالمحصلة لمنفعة مرشحي تلك الأحزاب (كتلة الأحرار، كتلة المواطن)، بينما كانت الحالة معاكسة لكيانات سياسية أخرى ليست لها ماكنة انتخابية وليست هناك روابط مركزية بين القيادة وقواعدها رغم سعة تلك القواعد، إذ أن المستقلين والأحزاب الصغيرة المنضوين تحت هذا النوع من الكتل ستستفيد من ثقل الكتلة الصوتية لقوائم تلك الكتل التي لا تملك توجيه ناخبيها وفقاً لمعطيات النظام الانتخابي. ومثل هذه الخطط ستبدو واضحة بعد تجلي نتائج الانتخابات وستسهم أكثر في العزوف عن تشكيل الائتلافات في الانتخابات النيابية القادمة، لذا قدمنا مقترحاً لتطوير هذا النظام بإضافة خطوة حسابية أخرى تقضي باحتساب نسبة أصوات الكيان داخل الائتلاف وتوزيع المقاعد وفقاً لتلك النسبة، وبذلك يتم تحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع المقاعد على الكتل داخل الائتلاف الواحد (3).
إن تطبيق المقترح المذكور أعلاه يستوجب من المفوضية تسجيل أسماء مرشحي كل كيان سياسي في الائتلاف، وأن يصمم النظام الالكتروني الخاص بإعداد النتائج ليستوعب العمليات الحسابية الجديدة والمتضمنة – كما قلنا – حساب مجموع أصوات كل كيان سياسي داخل الائتلاف التي هي مجموع أصوات مرشحيه داخل الائتلاف، ووفقاً لنظام تخصيص المقاعد الذي تضعه عادة مفوضية الانتخابات والمتضمن تلك العمليات الحسابية، أما عن الأصوات المدلى بها للقائمة دون المرشحين فيتم توزيعها على الكيانات المؤتلفة بنسبة أصواتها من مجموع أصوات الائتلاف.
وهنا يظهر بشكل واضح تأثير النظام الانتخابي على سياسة التحالفات ،حيث تجتذب القائمة المغلقة الكيانات السياسية للائتلاف والتحالف أكثر من القوائم المفتوحة أو شبه المفتوحة، كما يتسع نطاق التحالفات في ظل نظام التمثيل النسبي ويضيق في ظل نظام الأغلبية وفقاً لما تم شرحه آنفاً.
وقد تساعد بعض النماذج الديمقراطية من خلال التشريعات الانتخابية الأحزاب في إيصال المفضلين من مرشحيها بآليات تشريعية خاصة تضمن لهم الفوز بغض النظر عما حصلوا عليه من أصوات فعلية كما هو الحال بالنسبة للانتخابات المحلية في النرويج (Municipalties committees) ،إذ يسمح للحزب فيها من تضليل أسماء أول عشر مرشحين بكتابة أسمائهم بالأحرف الكبيرة،ويحصل هؤلاء المرشحون في كل الأحوال على ما لا يقل عن (25%) من الأصوات المدلى بها للقائمة بغض النظر عما كانت هذه الأصوات لهم أو لغيرهم في القائمة، وقد يعد ذلك مصادرة لأصوات الناخبين ولكنه يعكس دور الأحزاب وتأثيرها كجزء لا يتجزأ من النظام السياسي ومؤسساته فيها ،علماً أن الأحزاب في الدول الاسكندنافية تدير معظم مفاصل العملية الانتخابية بما فيها إدارة مراكز الاقتراع والبت في الشكاوى والطعون الانتخابية من خلال لجان في مجلس النواب يتمثل فيها أعضاء تلك الأحزاب(4) .
وكان هناك جدل كبير قبيل إجراء انتخابات 2010 حول دستورية قانون استبدال الأعضاء رقم 6 الذي أصدره مجلس النواب عام 2006، حيث أعطى الحق للكيانات السياسية باستبدال أعضاء مجلس النواب الذين تخلوا عن  مقاعدهم لأي سبب، كالوفاة أو تسنم منصب تنفيذي دون مراعاة تسلسلهم من حيث عدد الأصوات. وقد نصت المادة 18 من القانون رقم 16 لسنة 2005 المعدل بموجب قانون انتخاب مجلس النواب رقم 26 لسنة 2009 الذي جرت بموجبه انتخابات مجلس النواب سنة 2010 نصت على (تقدم الكيانات السياسية قوائم بمرشحيها لشغل المقاعد التعويضية) ،وهذا الحق يتعارض مع المادة (49) من الدستور النافذ ،حيث تنص على (أولاً: يتكون مجلس النواب من عدد من الأعضاء بنسبة مقعد واحد لكل مئة ألف نسمة من نفوس العراق يمثلون الشعب العراقي بأكمله، يتم انتخابهم بطريق الاقتراع العام السري المباشر، ويراعى تمثيل سائر مكونات الشعب فيه) ،علماً أن المفوضية كانت قد فاتحت المحكمة الاتحادية عن مصير هذه المادة كونها تتعارض وأحكام الدستور خاصة مع تبني القانون لنظام القائمة المفتوحة بكتابها المؤرخ في 28/3/2010، فأجابت المحكمة الاتحادية بقرارها ذي الرقم (27/اتحادية/2010م) في 29/3/2010م بما يلي (وتجد المحكمة الاتحادية العليا أن هذا الطلب يدخل في صميم مهام المفوضية العليا المستقلة للانتخابات ويكون قرارها في هذا الشأن خاضعاً للطعن أمام الهيئة القضائية المختصة، لذا فإن طلبها يخرج من اختصاص المحكمة الاتحادية العليا المنصوص عليه في المادة (93) من دستور جمهورية العراق والمادة (4) من قانون المحكمة الاتحادية العليا المرقم (30) لسنة 2005م، لذا قررت المحكمة رد الطلب من جهة عدم الاختصاص وصدر القرار بالاتفاق في 29/3/2010م). علماً أن عدد المقاعد التعويضية كان   سبعة مقاعد تم توزيعها كالآتي :على الكيانات الفائزة: مقعدان للقائمة العراقية، مقعدان لائتلاف دولة القانون، مقعدان للائتلاف الوطني العراقي، ومقعد واحد للتحالف الكردستاني. علما أن المرشحين السبعة لهذه المقاعد لم يكونوا من بين الذين حصلوا على أعلى الأصوات التي تلي الفائزين.

1-الموقع الرسمي للجنة الانتخابات المركزية – فلسطين / الرابط الالكتروني الخاص بنتائج الانتخابات التشريعية 2006
Hhtp://www.elections.ps/ar/tabid/587/language/en-US/Default.aspx

Robert G.Moser2- Unexpected Outcomes Electoral Systems Partues and Representation in Russia P-1 University Of Pittsbyrgh Press
 2011 ترجمة الباحث

3-القاضي قاسم العبودي، تأثير النظم الانتخابية في النظام السياسي، دراسة مقارنة بالتجربة العراقية، الطباعة الثانية، قيد الطبع، ص64.

4-مراقبتنا

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

العمود الثامن: أين اختفى البرلمان؟

 علي حسين يمكن القول وبثقة كبيرة أن مجلس النواب قد فقد ثقة معظم العراقيين ، بعد أن أدار ظهره للاحداث الخطيرة التي تمر بها البلاد ، وقرر بقيادة الشيخ هيبت الحلبوسي تأجيل جلساته...
علي حسين

باليت المدى: أعظم هدية في العالم

 ستار كاووش أعظم هدية يمكن أن نحصل عليها أو نمنحها هي أن نُتقاسم شيئاً جميلاً مع من نحب، شيئاً قريباً من القلب، حتى وأن كان بشكل رمزي. وعندما نُبادر بإعطاء هدية لشخص نحبه،...
ستار كاووش

خيارات تطور المجابهة الامريكية- الإسرائيلية مع إيران وتداعياتها

د. فالح الحمـراني يرسم المراقبون المهتمون في قضايا الشرق في موسكو احتمالين لتداعيات الضربات الامريكية – الإسرائيلية الجديدة في ايران يتمحور الأول على إن المنطقة أقتربت خطوات وليست خطوة نحو حرب شاملة وكارثية، وقد...
د. فالح الحمراني

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي ( 2-2 ) أمثلة صارخة على الفساد الأكاديمي الممنهج: تجارة الأطاريح والبحوث (الاقتصاد الأسود للمعرفة): انتشرت مكاتب علنية وسرية في محيط الجامعات تقوم بكتابة رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه مقابل مبالغ مالية معلومة....
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram