يمارس النظام الانتخابي دوراً كبيراً في إعادة صياغة شكل الدولة وفقاً لإرادة النظام السياسي فيما إذا كان متجهاً نحو مزيد من المركزية أو نحو مزيد من تقاسم السلطة ونقلها إلى الوحدات المكونة (الأقاليم أو الولايات والمحافظات والأقضية وا
يمارس النظام الانتخابي دوراً كبيراً في إعادة صياغة شكل الدولة وفقاً لإرادة النظام السياسي فيما إذا كان متجهاً نحو مزيد من المركزية أو نحو مزيد من تقاسم السلطة ونقلها إلى الوحدات المكونة (الأقاليم أو الولايات والمحافظات والأقضية والنواحي)، فقد أدى تبني نظام الأغلبية (الفائز الأول) الأمريكية للانتخابات الكونغرس إلى تعزيز سلطة الدولة والحكومة الاتحادية، ونجح الحزبان الكبيران :الجمهوري والديمقراطي في استقطاب مختلف فئات المجتمع الأمريكي وشرائحه، وفي الوقت نفسه نجحا في استقطاب المصالح الاقتصادية الكبيرة وأتاح ذلك لهما الهيمنة على الرئاسة والكونغرس،وتعاقب الحزبان على إدارة البيت الأبيض مما أدى إلى إحداث تحول في مجلس الشيوخ من تمثيل مناطقي إلى تمثيل حزبي وطني بسبب التجربة الحزبية، فإن المجلس عادة ما تتمثل فيه الولايات بشكل متساوٍ ،إذ يمثل كل ولاية في مجلس الشيوخ عضوان(1) ، لكن التجربة الحزبية أحالت ذلك التمثيل من تمثيل مناطقي إلى تمثيل حزبي وطني، وانعكس ذلك بدوره على التشريعات الصادرة من الكونغرس التي تبرز اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية إلى مزيد من الاندماج والوحدة، وهو ما يحدث -إلى حد كبير- في أستراليا أيضاً.
النظام الانتخابي ودوره في توزيع السلطة
إن هذا النجاح الذي حققته التجربة الحزبية يكمن في إزالة الحساسية بين مكونات المجتمع الأمريكي المختلفة، فلم يعد مهماً لدى الفرد شكل الدولة سواء أكان بسيطاً أم مركباً، على عكس التجربة الأمريكية فإن نموذجاً فيدرالياً آخر نهجَ ،منذ فترة طويلة ،على توزيع الصلاحيات ونقل جزء منها من المركز إلى الوحدات المكونة، وهذا النموذج هو النموذج البرازيلي، إذ يجري تقسيم الدولة الاتحادية إلى عدد من الدوائر تماثل عدد الولايات باعتبار أن كل ولاية دائرة انتخابية، لأغراض انتخاب أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 513 نائباً بحسب الكثافة السكانية لكل ولاية. وعلى أن ذلك التمثيل ينحصر بين حدين، الحد الأدنى ثمانية نواب والحد الأعلى سبعون نائباً.
إن عملية التحديد هذه جعلت ساوباولو الأكثر سكاناً والأكثر غنىً تخسر أربعين مقعداً، وكان يمكنها الحصول عليها لو لم يحدد التمثيل بالطريقة التي ذكرناها،بينما يعود هذا النظام بالنفع على الولايات الصغيرة قليلة السكان ويمنحها فرصة أكبر للمشاركة في صنع القرار السياسي الذي تحتكره ولاية ساوباولو في مابين عامي 1930-1899 م وهي الحقبة المعروفة بـ الجمهورية الأولى، وتظهر هذه الترتيبات قلق المشرعين البرازيليين حيال هيمنة الحكومة المركزية وضرورة نقل بعض الصلاحيات والسلطات إلى الولايات (2).
وقد أدى تبني النظام التمثيل النسبي لانتخابات مجلس الشيوخ في أستراليا إلى تحقيق تمثيل عادل للولايات داخل البرلمان الأسترالي وحقق نوعاً من التوازن كان يمكن أن يخل به نظام الأغلبية الذي تجري بموجبه انتخابات مجلس النواب، حيث تجري انتخابات مجلس الشيوخ في أستراليا وفقاً لنظام التمثيل النسبي الصوت الواحد المتحول – ووفقاً للمعادلة الآتية:
عدد الأصوات التي يحتاج إليها المرشح للتأكد من انتخابه تحسب باستخدام الصيغة الرياضية الآتية:
(إجمالي عدد الأصوات الرسمية)÷(عدد المرشحين الذين سيتم انتخابهم + 1) + 1
وبغض النظر عن أي باقٍ أو كسور.
على سبيل المثال، إذا كان إجمالي عدد الأصوات الرسمية يساوي
حصةالمقعد:((10000)÷(4+1))+1=2001 م
تسمى الصيغة المعتمدة المستخدمة لجميع أنظمة الصوت الواحد المتحول في أستراليا بصيغة "دروب" التي نشرها أول مرة العالم الرياضي والمحامي هنري دروب عام 1868م.وعلى سبيل المثال فإن ولاية (تسمانيا) وهي أصغر الولايات الاسترالية لها (5) أعضاء في مجلس النواب، ولديها (12) عضواً في مجلس الشيوخ أسوة ببقية الولايات (3).
وخضع تقسيم الدوائر الانتخابية في العراق لاعتبارات فنية وسياسية، فلقد تم تبني نظام الدائرة الواحدة في الانتخابات العراقية عام 2005م لعدة مبررات منها: عدم وجود إحصاء سكاني دقيق، علماً أن إجراء إحصاء سكاني في المجتمعات المنقسمة يعد من الأمور الصعبة والمثيرة للجدل، إذ فشلت الجهود في إجراء إحصاء سكاني في العراق بعد 2003م، أما في لبنان فقد تقرر في عام 1943م إجراء الإحصاء السكاني بعد سنتين من هذا التاريخ ، وهذا لم يحدث حتى الآن(4) ، ومن ضمن المبررات أيضاً تخطي مشكلة التغييرات الديموغرافية التي رافقت وأعقبت سقوط النظام وكذلك توفير فرصة لتمثيل مكونات المجتمع العراقي كافة، وسهولة النظام بالنسبة للجهة المنظمة للانتخابات وهي (المفوضية العليا المستقلة للانتخابات)، إلا أن هذا النظام في الوقت ذاته باعدَ بين الناخب والمرشح، إذ اضطر الناخب للتصويت لصالح مرشحين ليسوا من دائرته وغير ملمّين باحتياجاتها ومشكلاتها، حتى أن محافظة أو أكثر لم يكن لها ممثل في الجمعية الوطنية كما هو الحال بالنسبة لمحافظة المثنى، ونتيجة للضغوط الشعبية من سكان المحافظات وكذلك ضغط المرجعية العليا تم تقسيم العراق إلى عدة دوائر بعدد المحافظات لانتخابات مجلس النواب 2005م وانتخابات مجلس النواب 2010م، حيث تختص كل محافظة بعدد من المقاعد يتناسب وحجمها السكاني، وكان عدد السكان لسنة 2010م يقدّر حسب إحصائيات وزارة التجارة بنحو (32274528) نسمة وهذا يعني أن عدد أعضاء مجلس النواب كان يجب أن يكون (323) إلا أنه أُضيف (مقعدان) لإحداث نوع من التوافق السياسي لإرضاء بعض المكونات (5) دون أن يكون لهما معادل موضوعي من عدد السكان، ولم يفلح نظام الدائرة الواحدة أو الدوائر المتعددة على مستوى المحافظات ولا القائمة المغلقة أو القائمة المفتوحة نسبياً في تحقيق نوع من التوافق بين القوى السياسية سواء في الحكومة أو في مجلس النواب أو فك الاشتباك حول الصلاحيات بين الحكومات المحلية والحكومة الاتحادية من جهة و بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان من جهة أخرى ،بل تعمق الخلاف والجدل حول تلك الصلاحيات وتكرر الحديث عن ضرورة العودة والاحتكام إلى الدستور الذي يبدو هو الآخر مثيراً للجدل بمواده المرنة والمحتملة لتفسيرات متعددة، كما لم يستطع أي من الأحزاب الممثلة للمكونات الأساسية للمجتمع العراقي من تحقيق نوع من الانخراط والجذب لممثلي الكيانات الأخرى ،ولا يبدو ذلك ممكناً في المستقبل القريب، إذ أن التأثيرات التقليدية للنظم الانتخابية ونتائجها على الصعيد السياسي (النظم السياسية) منحصرة -إلى حد كبير- في الديمقراطيات الراسخة والتقليدية ولم تتجسد تلك التأثيرات في الديمقراطيات الحديثة، خاصة تلك المطبقة في المجتمعات المنقسمة، فعلى سبيل المثال لم ينتج نظام الأغلبية ثنائية حزبية سياسية في كل من الهند وماليزيا ولبنان(6) ولم يسهم نظام التمثيل النسبي في تعددية حزبية نسبية في كل من العراق والبوسنة والهرسك وجنوب إفريقيا، ولهذا السبب أعتقد أن تتبع تأثيرات النظم الانتخابية أكثر صعوبة اليوم من ذي قبل مما ألفته الأكاديميات العراقية المتخصصة وأدى ذلك إلى انقطاع معرفي لتلك الأكاديميات بسبب التركيز على الجانب النظري التقليدي دون دراسة الظواهر العملية لهذا الحقل المعرفي المهم والمؤثر في الحياة السياسية والاجتماعية (7).
1-يتألف مجلس الشيوخ من شيخين عن كل ولاية ( تختارهما الهيئة التشريعية في تلك الولاية ) مدة ست سنوات ، ويكون لكل شيخ صوت واحد ، الفقرة الثالثة / المادة الأولى من دستور الولايات المتحدة الأمريكية .
2-أندرو رينولز وآخرون، مصدر سابق، ص 118.
3-أستراليا ، الجولة الدراسية لوفد المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في أستراليا للفترة من 21/2/2011 إلى 4/3/2011 م
4-محمد المجذوب، القانون الدستوري والنظام السياسي في لبنان وأهم النظم الدستورية والسياسية في العالم، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت – لبنان، ط2، 2002م، ص393.
5-جريدة الوقائع العراقية العدد (4140) في (28/12/المادة (أولاً) من المذكرة التفسيرية الصادرة بالقانون رقم (24) لسنة 2009م، حيث نصت تلك المادة: (أولاً – انسجاماً مع أحكام المادة (49) من الدستور، وبسبب غياب إحصاء سكاني حديث، وبعد الرجوع إلى الإحصاءات الرسمية لوزارة التجارة لعام 2005م، مضافاً إليها نسبة النمو السكاني بمعدل (2.8%) لكل محافظة سنوياً، ونظراً لبعض الهجرات الحاصلة، يتألف مجلس النواب من 325 مقعداً).
6-قبل انتقال لبنان لتبني نظام القوائم النسبية.
7-القاضي قاسم العبودي، تأثير النظم الانتخابية في النظام السياسي، دراسة مقارنة بالتجربة العراقية، الطباعة الثانية، قيد الطبع، ص16.










