عشر سنوات من عمرنا الجديد، ومن زاوية المال العام يمكن اليوم وضع جردة بسيطة عما حدث وما كان يمكن أن يكون.
بصراحة لقد نما الدخل الفردي الحقيقي إضعاف مضاعفة بلغت عشرات المرات، لكن هذه الزيادة غير مفرحة كما يبدو، فهي زيادة (فاشوشيه) بدون خدمات ولا عمران ولا أمان وجاءت ملونة بالدم والخراب.. وعلى مستوى الاقتصاد الكلي تضاعف الدخل القومي، لكن هذا المضاعف حدث بفعل نعمة السماء (النفط)، وليس جهود الحكومة، في حين أن ما فعلته الحكومة هو سوء في توزيع هذه النعمة وتحويلها الى مصدر استهلاك دائم.
لم تتمكن الحكومة بفعل سياساتها من الالتزام بما وعدت به، فلا إصلاح حقيقي ولا تحول نحو اقتصاد السوق، لا شركات أجنبية ولا استثمار مباشر، حتى أن التكلفة الاجتماعية لبرامج التحول نحو اقتصاد السوق لم يكن مسيطراً عليها. بقينا مجرد عاملين لدى الحكومة نأخذ رواتبها لكن من (دون شغل وعمل)
الفساد كان واحداً من أهم المؤشرات التي استنزفت نعمة السماء، وأصبح التبديد والهدر سمة مميزة لأغلب برامج الحكومة، ما أثر على إشاعة جو عام من والتهافت على المال العام وعدم الإحساس بجدوى المحافظة عليه.
نعمة السماء واحد من أكثر القطاعات كثافة لاستخدام رأس المال، لكنه قطاع لا يستطيع استقطاب إلا نسبة قليلة من التشغيل (أقل من 2% من مجموع القوى العاملة)، وهذا ما قاد الى أن تقوم الدولة باتباع سياسة توظيف حكومي واسع لتداري خيبتها في عدم المقدرة على تنمية القطاع الخاص، ما أوقع الدولة في مطب البطالة المقنعة وما تعنيه من انخفاض في إنتاجية .
ولعل أهم شيء حققته الدولة هو أنها استطاعت السيطرة على سعر صرف الدينار ، وهو أمر حدث بفعل استقلال (سابق) للبنك المركزي العراقي وبفضل شخوصه الذين خسرناهم بفعل محاولة الحكومة السيطرة على مفاصل الدولة وتخفيض مستوى مأساتها.
من زاوية تحقيق الأهداف الاجتماعية، كان المفترض أن توفر الدولة شبكة حماية تراعي الطبقات الأقل حظاً في الحصول على الدخل لكن مشروعها لم يكتب له النجاح بل انه توسع ليشمل المستحقين وغير المستحقين وتحول الى بئر لا يمكن ملؤه، بسبب أن الداخل من الشبكة لا يخرج منها.
حال التموينية لا يختلف كثيرا، فلم نعرف كيف نتخلص منها ولا عرفنا كيفية إصلاحها، وتحولت الى مجال لتعظيم الاستيرادات واستنزاف العملات بدل أن نحاول أن نخلق منها فرصة لزيادة الإنتاج المحلي.
الجو العام هو الآخر لم يسعف الحكومة، فقد كان جوا ملبدا بغيوم الصراع السياسي والطائفي القاتل، في منطقة حساسة من العالم ولا يمكن النفاذ منها الى بر الأمان بشكل سلس، مع (جورة) سيئة.
خيبة الـعشر سنوات الماضية لا يمكن مداراتها بسهولة لكن أكثر ما يحزنني فيها أن هناك إصراراً عليها وان من أسس لها لا يريد أن يتنازل عن ذلك بل انه يصر على أن يبني عليها، وهو بناء هش وسيزول آجلاً أم عاجلا.
بناءٌ.. لكنّه هشّ
نشر في: 8 إبريل, 2013: 09:01 م










