TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > هوية جامعة.. متعددة

هوية جامعة.. متعددة

نشر في: 10 إبريل, 2013: 09:01 م

لن تكون واقعة الاقتتال الطائفي في مدينة الخصوص الفقيرة هي الأخيرة من نوعها مادام الحكم في مصر طائفيا. وأصف الحكم بالطائفي رغم ادعاء الرئيس «محمد مرسي» أنه رئيس كل المصريين، فالادعاء شيء والممارسة الواقعية شيء آخر. ثبت خلال ما يقارب العام

لن تكون واقعة الاقتتال الطائفي في مدينة الخصوص الفقيرة هي الأخيرة من نوعها مادام الحكم في مصر طائفيا. وأصف الحكم بالطائفي رغم ادعاء الرئيس «محمد مرسي» أنه رئيس كل المصريين، فالادعاء شيء والممارسة الواقعية شيء آخر. ثبت خلال ما يقارب العام الآن من حكم الإخوان المسلمين في مصر أن التمييز ضد المسيحيين والنساء بادعاء أن جوهر الهوية هو إسلامي، أن هذا التمييز هو عمل ممنهج تأسس على الدوافع والمنطلقات الدينية لمكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين والذي يمارس مهام الحكم فعليا وإن من وراء الستار. فتأججت الفتن الطائفية واستيقظت المشاعر العدوانية الكامنة.
وكان برنامج الجماعة هو الأساس الفكري الذي انطلق منه الدستور الجديد، ذلك الدستور الذي تحايلت الجماعة بكل السبل غير المشروعة لكي يأتي على مقاسها متجاهلا التنوع الهائل في المجتمع المصري والتعددية الكبيرة التي تجعل منه مجتمعا ثريا بثقافته وتراثه وقيمه، أي أكبر كثيرا من أن تهيمن عليه فئة واحدة بفكرها الضيق والمحدود وبآليات عملها التي تقوم على السمع والطاعة، وتعتبر نفسها هي جماعة المسلمين والمؤمنين، والآخرون كافة هم الأعداء سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين نساء أو فقراء، لأن المضمون الحقيقي لسياستهم الاقتصادية والاجتماعية هو رأسمالي وحشي وطفيلي.
ومن هذا المنطلق حرض أحد رجالهم في خطبة جامع بالخصوص ضد المسيحيين الذين يطالبهم البعض بدفع الجزية وكأننا نجري إلى الخلف لنعود إلى زمن الفتح الإسلامي لمصر، ثم نهدم كل تراث الدولة الحديثة كدولة مواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات لا تمييز بينهم بسبب الجنس أو الدين أو العرق أو الطائفة.
كشفت الدراسات العلمية :اجتماعية ونفسية عن تكوين الشخصية المصرية عبر التاريخ أن هذا التكوين متعدد المنابع والروافد التي لعبت فيها الثقافات والديانات والفلسفات والحياة الشعبية أدوارا متفاوتة لتصنع الهوية الجامعة المصرية من تفاعلات هذا التعدد والغني، وليس الدين- علي أهميته- إلا عنصرا واحدا من عناصر هذه الهوية الجامعة المتغيرة والمتطورة عبر الزمن. وقد عمل التغير والتطور لا فحسب على التفاعل الجدلي لكل العناصر وإنما أيضا على تطويعها لتدخل في صيغته المتجددة والتي تخضع في آخر المطاف للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. ولأن مثل هذه الأوضاع هي شرط حاسم من شروط إنتاج الثقافة وتكوين الهوية، سوف نلاحظ أن معظم وقائع الاقتتال الطائفي تنفجر في المناطق الفقيرة ، حيث لا أفق ولا أمل في المستقبل. وإذ يعيش 40% من المصريين تحت خط الفقر في ظل سياسات طائفية لا تعدهم بشيء. وينتشر الاكتئاب الذي تجاوز 65% من المصريين وهو على حد قول أحد الأساتذة نتيجة حتمية لخيبة الأمل التي يحس بها بعض الشباب.
وليس مصطلح أخونة مؤسسات الدولة و«أسلمة» الفضاء العام قدحا في سياسات الإخوان ولكنه حقيقة واقعية تجري علي الأرض وتؤدي ضمن ما تؤدي إليه إلى تمزيق الهوية الجامعة للمصريين وإفقارها لتصبح ذات بعد واحد، وهذا بالضبط هو ما تفعله السياسات العامة جنبا إلى جنب أدوات الإعلام الدينية التي تختزل مصر في «إسلام» خاص بهم، وهي أبعد ما تكون عن قيمه العليا التي من ضمنها الإعلاء من شأن الإنسان كإنسان بصرف النظر عن الدين أو الجنس أو العرق أو حتى الطبقة.
وهنا يثور السؤال لماذا يختار الحكم القائم عنصرا واحدا من عناصر تكوين الهوية الوطنية ويختزل فيه هذه الهوية بما يؤدي إلى إفقارها وتشويهها؟! أظن أنه من الخطر البين أن نختصر الإجابة عن هذا السؤال في حقيقة أن الذين يحكموننا هم جماعة دينية وطائفية، ولكنني أود أن أضيف إلى هذه الإجابة الأولية عنصرا آخر هو عنصر السياسة البراغماتية العملية وشعارها «اللي تكسب به إلعب به» وهم يجيدون استخدامه.
والشعب المصري هو شعب متدين فطريا منذ الحضارة المصرية القديمة، بل إنه هو الذي ابتكر الدين والآلهة والعالم الآخر، ولذلك فإن الدين كأداة لتحشيده والتعامل معه وجذب تأييده هو أسهل الأدوات على الإطلاق. وهكذا استثمر الإخوان كلا من التدين البسيط والفقر استثمارا ذكيا للوصول إلى السلطة، وعلى طريق الوصول هذا عملوا على تمزيق الهوية الجامعة وتحويلها إلى جزئيات، ألم يوجه رئيس الجمهورية أول خطاب له إلى أهله وعشيرته في مجتمع كانت الحداثة عبر قرنين من الزمان قد جعلت منه مجتمعا متعدد الطبقات شحبت فيه التكوينات الفرعية، مثل الأهل والعشيرة وصبت الثقافات الفرعية فيما هو أشمل وأعم، وتطورت مصر في اتجاه العالم الجديد، رغم كل التشوهات التي ألحقتها بها سياسات الاستبداد والفساد. لن يدور الصراع إذن في المرحلة القادمة في بلادنا في إطار طبقي اجتماعي- اقتصادي فقط وإنما سيضاف إليه الصراع من أجل الهوية الجامعة المصرية ضد عملية التفتيت والإفقار التي يقوم بها الإسلام السياسي، وسوف تنتصر مصر الحقيقية في آخر المطاف.. ولكن علينا أن نكافح بوعي من أجل هذا النصر.. الذي سيقترب بقدر ما ندفع ثمنه.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

العمود الثامن: ‎من قتل ينار محمد ؟

 علي حسين بغض النظر عن شكل النهاية التي سيضعها القائمون على المسلسل الدرامي الطويل والمثير المسمى "لجنة التحقيقات " سواء فيما يتعلق بقضايا الاغتيال السابقة أو في لجنة التحقيق التي تشكلت لمعرفة قاتل...
علي حسين

كفى إستهانة بخطر التلوث الإشعاعي لذخائر اليورانيوم !

د.كاظم المقدادي (1 - 2) أنتج إستخدام أسلحة اليورانيوم المنضب تلوثاً إشعاعياً واسعاً، وخلف اَلاف الأماكن المليئة بالركام المشع، في أرجاء العراق.وقد نجم عن الإشعاع أضرار بيولوجية جسيمة. بالمقابل لم تكن إجراءات الحكومات العراقية...
د. كاظم المقدادي

القانون الدولي: خرافة أم حقيقة؟

ألكسندر راؤول ترجمة : عدوية الهلالي كثيراً ما يُستعان بالقانون الدولي كضمانة، كمجموعة من القواعد التي تهدف إلى تنظيم العلاقات بين الدول والحد من استخدام القوة. هذه الرؤية مطمئنة، إذ تُصوّر عالماً تحكمه معايير...
ألكسندر راؤول

تداعيات الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران: العراق على حافة النار

عصام الياسري لم تعد الضربات العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة و**إسرائيل** ضد أهداف داخل إيران مجرد عملية عسكرية عابرة في سياق صراع طويل، بل تحوّلت إلى حدث مفصلي يهدد بإعادة تشكيل معادلات الردع في...
عصام الياسري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram