إن الأسباب الرئيسة لظهور الفساد وانتشاره متشابهة في معظم المجتمعات، إلا أنه يمكن ملاحظة خصوصية في تفسير ظاهرة الفساد بين شعب وآخر تبعا لاختلاف الثقافات والقيم السائدة كما تختلف النظرة إلى هذه الظاهرة باختلاف الزاوية التي ينظر إليها من خلالها وذ
إن الأسباب الرئيسة لظهور الفساد وانتشاره متشابهة في معظم المجتمعات، إلا أنه يمكن ملاحظة خصوصية في تفسير ظاهرة الفساد بين شعب وآخر تبعا لاختلاف الثقافات والقيم السائدة كما تختلف النظرة إلى هذه الظاهرة باختلاف الزاوية التي ينظر إليها من خلالها وذلك ما بين رؤية سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، وهو ما يبرر الاختلاف في تحديد مفهوم الفساد. والفساد قديم قدم المجتمعات البشرية وإن مكافحته تستدعي تحديدا لهذا المفهوم كما تستدعي بيانا لأسباب انتشاره في المجتمع، وتوضيح أبرز صوره وأشكاله، والآثار السياسية والاقتصادية والاجتماعية المترتبة عليه، وبلورة رأي عام مضاد له وبناء إرادة سياسية لمواجهته، وتبني ستراتيجيات لذلك تتناسب وطبيعة كل مجتمع ، لذا وجب علينا تحديد مفهوم الفساد، فهنالك من يقول بأنه خروج على القانون والنظام أو استغلال غيابهما من أجل تحقيق مصالح سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية للفرد أو لجماعة معينة، بينما يعرّفه آخرون بأنه قيام الموظف العام بطرق غير سوية بارتكاب ما يعد إهداراً لواجبات وظيفته، فهو سلوك يخالف الواجبات الرسمية للمنصب العام تطلعا إلى تحقيق مكاسب خاصة مادية أو معنوية.
ومع هذا هناك اتفاق دولي على تعريف الفساد كما حددته "منظمة الشفافية الدولية" بأنه " كل عمل يتضمن سوء استخدام المنصب العام لتحقيق مصلحة خاصة ذاتية لنفسه أو جماعته ".تتجلى ظاهرة الفساد بمجموعة من السلوكيات التي يقوم بها بعض من يتولون المناصب العامة، وبالرغم من التشابه أحيانا والتداخل في ما بينها إلا انه يمكن إجمالها بالرشوة والمحسوبية والمحاباة ونهب المال العام والابتزاز والأخيرة – أي الابتزاز – ظاهرة تبدو شائعة في العراق في السنوات الأخيرة ،وعمليات الابتزاز هذه تصل في أحيان كثيرة إلى ابتزاز الفقراء أنفسهم!!! خاصة وأن هنالك تقارير كثيرة تؤكد أن هنالك آلاف المتجاوزين على رواتب الرعاية الاجتماعية وشبكة الحماية المخصصة أصلا للفقراء ، تضاف إلى ذلك الأرقام المخيفة عن أعداد الذين يعيشون تحت خط الفقر في العراق. ومن المعروف تعدد الأسباب الكامنة وراء بروز ظاهرة الفساد وتفشيها في المجتمعات بالرغم من وجود شبه إجماع على كون هذه الظاهرة سلوكا إنسانيا سلبيا تحركه المصلحة الذاتية، ويمكن إجمال مجموعة من الأسباب العامة لهذه الظاهرة التي تشكل في مجملها ما يسمى بمنظومة الفساد، إلا انه ينبغي الملاحظة بأن هذه الأسباب وإن كانت متواجدة بشكل أو بآخر في كل المجتمعات إلا أنها تتدرج وتختلف في الأهمية بين مجتمع وآخر، فقد يكون لأحد الأسباب الأهمية الأولى في انتشار الفساد ،بينما يكون في مجتمع آخر سببا ثانويا، وبشكل عام يمكن إجمال هذه الأسباب كما يأتي:
1. انتشار الفقر والجهل ونقص المعرفة بالحقوق الفردية، وسيادة القيم التقليدية والروابط القائمة على النسب والقرابة.
2. عدم الالتزام بمبدأ الفصل المتوازن بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية في النظام السياسي وطغيان السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية ،وهو ما يؤدي إلى الإخلال بمبدأ الرقابة المتبادلة ، كما أن ضعف الجهاز القضائي وغياب استقلاليته ونزاهته يعدان سبباً مشجعاً على الفساد.
3. ضعف أجهزة الرقابة في الدولة وعدم استقلاليتها.
4. وتزداد الفرص لممارسة الفساد في المراحل الانتقالية والفترات التي تشهد تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية كتلك التي يمر بها الشعب العراقي (الانتقال من مرحلة الاحتلال إلى مرحلة الدولة) ،ويساعد على ذلك حداثة أو عدم اكتمال البناء المؤسسي والإطار القانوني التي توفر بيئة مناسبة للفاسدين مستغلين ضعف الجهاز الرقابي على الوظائف العامة في هذه المراحل.
5. ضعف الإرادة لدى القيادة السياسية لمكافحة الفساد، وذلك بعدم اتخاذ أية إجراءات وقائية أو عقابية جادة بحق عناصر الفساد بسبب انغماسها نفسها أو بعض أطرافها في الفساد، ولعلنا في العراق عانينا من هذا السبب كثيرا، خاصة وأن الكثير من المسؤولين في الوزارات العراقية يحملون أكثر من جنسية يحتمون بها إضافة إلى الحصانة المتوفرة لهم.
6.ضعف دور مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الخاصة في الرقابة على الأداء الحكومي أو عدم تمتعها بالحيادية في عملها.
وبالتأكيد هنالك أسباب أخرى وكلها تقود إلى هدر الموارد بسبب تداخل المصالح الشخصية بالمشاريع التنموية العامة، والكلفة المادية الكبيرة للفساد على الخزينة العامة كنتيجة لهدر الإيرادات العامة. وأيضا الفشل في الحصول على المساعدات الأجنبية، كنتيجة لسوء سمعة النظام السياسي ،وهذا بحد ذاته عاناه العراق في تعامله مع الصندوق الدولي لإعادة الإعمار بعد أن أصبح العراق ثالث دولة في مؤخرة سلم النزاهة والشفافية في العالم. ويؤدي استفحال الفساد إلى هجرة الكفاءات الاقتصادية نظرا لغياب التقدير وبروز المحسوبية والمحاباة في إشغال المناصب العامة. ربما استعرضنا بعض مخاطر الفساد وعلينا الآن أن نبحث عن آليات مكافحته التي أجدها تنحصر في المحاسبة ، المساءلة ، الشفافية ، النزاهة مع توفر الإرادة من قبل القيادة السياسية لمحاربة الفساد حتى يكون ذلك على مستوى الدولة والمجتمع أو على الأقل بأن لا تصطدم توجهات مكافحة الفساد مع السلطة السياسية.










