TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > وشم أمّي ليس "TATTOO"

وشم أمّي ليس "TATTOO"

نشر في: 15 إبريل, 2013: 09:01 م

إنها لغتي التي نشأت معي وتربّت على اللعبة الحافية والصحون الخالية.. لكنها ثروتي كلها.
تتمسك لغتي ببراءتها، غير البريئة، وهي تدخل النص وتخرج منه ثم تعود إلى نص آخر وتخرج منه إلى العدم.
لم تكن لغتي يوماً ابنة الاحتفال ولا جارة الوزارة ولا حليفة القتلة.
أنا أعرف لغتي على أنها ابنتي وأنا ابنها، كلانا نسير على درب غامض المسالك، كثير الاشتباك يظلله اللايقين وتستعمره الحيرة.
نشأت لغتي على وفق أبجدية محايدة صارت منحازة منذ الصف الأول الابتدائي عندما قدري قاد بقرنا ولم نكن سمعنا، من قبل، باسم قدري هذا الذي ينم عن ارستقراطية لغوية فجة لا تستقيم مع قيادة البقر، كما لم يكن لدينا أي بقرة.
البقر كنا نحن الذين قادونا الى المسالخ بمراسيم جمهورية مكتوبة بالإشارات والرغبات العليا للدولة ينفذها شرطي أمن مسلكي.
تستوفي اللغة شرطها من خطاب واعٍ، حتى في الفن، يوجّه رسالة مخصوصة إلى كثيرين أو لا أحد، مهما اختزنت من اللاوعي المتناثر في المكان.
لغتي لا تتبجح لكن ثمة قارئ متبجح شطب عبارتي وهي في لحظة ألمٍ عالٍ، وثمّة من يشطبون في أماكن ومناسبات وصحف عدة، ومن شتى الانتماءات والأحزاب.
كتبت، مرة، أرثي نصيراً شيوعياً قاتل في كردستان وقُتل فيها: "إن بندقيتك أيها الرفيق تصل الجبل بالسهل بالهور" فشطبها ذاك المسؤول - الذي تعرفونه - لأنه لم يستوعب بندقية على هذا الطول الطويل!
إنها لغتي، فما أفعل بها؟
اللغة تشبه صاحبها، وتمتد معه من الطفولة حتى الموت، أي أقرب لصاحبها من أي كائن حي آخر في العالم.
يمكن أن يتخلى المرء عن حواسه المعروفة وغير المعروفة لكنه لا يستطيع التخلي عن لغته، أبداً.
كلما حاولت تطويع لغتي لحوارات الدولة والسلطة والناطقين رسمياً ونواب البرلمان والأمناء العامين للحرية ومدراء الاشتراكية وخطباء الدين والدنيا ينتابني خرس مفاجئ.
كيف أطوع لغتي لحوار مع من يبدأ حديثه بجملة: "لقد بات واضحاً"؟
إذا "بات واضحاً" فلمَ الكتابة والكفاح والفلسفة والفن والشعر والعلم والموت والألم والرحيل؟
كيف أطوّع لغة الحالم للحوار مع لغة الحاكم؟
في المدن الغريبة تنشأ معضلة من نوع آخر: الترجمة.
كل أصدقائي المتزوجين من أجنبيات يمضون حياتهم مترجمين لزوجاتهم حتى إشعار آخر، وهم  يتوقفون عن الترجمة ليبدأ الصمت النوعي.
أردت أن أترجم كلمة "تنور" لامرأة إنكليزية فلم أعثر إلا على كلمة مقابلة هي (OVEN) فأحجمت وغيرت فكرتي أصلاً.
كتبت في قصيدة أرثي أمّي: "كيف أترجم وشم يديها؟".. وشم أمي ليس "TATTOO"!
إنه عصر اللعثمة.
العصر الذي لا يتمكن فيه أمهر الرعاة من منع نعجة واحدة عن الثغاء، فكيف بالقطيع؟
لكنني أحاول أصون لغتي من الانهيار بالشعر وأحرس لساني من التلوث البيئي وخيالي من الانحدار إلى "الواقع" حتى لو اتهمت بالغموض.
بينما ينبجس النور من الكلمة تصدر الأوامر السلطانية من الأماكن كلها والأزمنة كلها ليعم التعتيم العام.
اللغة تتيحنا وتعيقنا، تكشفنا وتحجبنا، هي أداة تواصل مع العالم وقطيعة معه.
كتاب كبار قرأهم العالم بلغاته المترجمة ولم يتنازلوا عن لهجتهم الشعبية، وظلوا كباراً في مسقط الرأس أو في ابعد قرية قطبية على الكرة الأرضية.. السر، هنا، يكمن في الإبداع لا في اللغة المجردة.
الإبداع، إذن، هو الوسيلة الأبرز للتفاهم مع العالم.
.. ولكي لا ننسى، علينا أن نتفاهم مع أنفسنا، أولاً.
تخيلت نفسي بلا لغة.. فصمتُّ لدقيقة حتى أدركني ما يشبه الموت.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

العمود الثامن: ‎من قتل ينار محمد ؟

العمود الثامن: حروب الكتل الأكبر

 علي حسين مثلما اصبحت "الف ليلة وليلة أشهر الحكايات في تاريخ البشرية، تحولت حكاية الكتلة الاكبر في بلاد الرافدين الى أسطورة خرافية سمّيت بالمحاصصة الطائفية ، فمنذ عام 22010 عندما حصل السيد اياد...
علي حسين

قناطر: الثورة التي خسرتُها ذاتَ يوم

طالب عبد العزيز كنتُ ما أزال شاباً؛ أعي حقيقة النظام البهلوي، حين حطّت طائرةُ السيد روح الله الموسوي الخميني في المطار، وبامّ عيني هاتين؛ كنتُ شاهدتُ الطفلة الصغيرة، وهي تمشي بقدميها الصغيرتين على أكتاف...
طالب عبد العزيز

خراب التعليم: الامتداد الممنهج لخراب المعنى

علاء جواد كاظم ليس هناك ما هو اخطر على امة من أن تتوهم أنها تتعلم، بينما هي في الحقيقة تعيد إنتاج الامية بطريقة أكثر تنظيما واناقة. فتردي التعليم لا يبدأ بانهيار جدران المدرسة، أو...
علاء جواد كاظم

كفى إستهانة بخطر التلوث الإشعاعي لذخائر اليورانيوم !

د.كاظم المقدادي (1 - 2) أنتج إستخدام أسلحة اليورانيوم المنضب تلوثاً إشعاعياً واسعاً، وخلف اَلاف الأماكن المليئة بالركام المشع، في أرجاء العراق.وقد نجم عن الإشعاع أضرار بيولوجية جسيمة. بالمقابل لم تكن إجراءات الحكومات العراقية...
د. كاظم المقدادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram