(1)
عادوا من حفلهم البهيج بمزيد من الأمل في إمكان تغيير مسار تاريخ البربريّة الذي كتب صفحاتِه الحديثةَ رأسُ المال الجشع.
تركوا أنغاما خافتة من موسيقاهم وغنائهم وأصداءَ أصواتهم في النّقاشات والمسيرات تتردّد في سماء تونس الزرقاء.
طووْا خيامَهم وجمعوا معلّقاتهم التي انتقشت عليها صرخات غضبهم وسخطهم على تحويل الحياة إلى سلعة.
عادوا إلى ديارهم وقد صنعوا ، في تونس ، لحظةَ حرّيةٍ فاتنة تنفّست خلالها البلاد عميقًا بعد أن أثقلت أجواءها صراعاتٌ مشحونة و تجاذبات خانقة وغيوم بائسة منسوجة من أقوال طالعة من المتون الصفراء.
كان المنتدى الاجتماعي العالمي في بلادي مصداقًا للآية الكريمة :" إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا"، والتّعارف باب للتّضامن والتّفكير في المصير المشترك ليكون أكرمنا ، الآن وهنا على الأقلّ ،أشدّنا دفاعًا عن مطلق الحرّية والمساواة ضدّ الوعود الزّائفة للرّأسماليّة وعلى نقيض اللّيبيراليّة المتوحّشة التي تسيطر على مصائر البشر.
(2)
لئن تركوا ذكريات لقاءات إنسانيّة عميقة وأفكارا مخصبة مدارها على الحقوق ، حقوق النّساء والرّجال والشّعوب والطّبيعة ، فإنّ ما تناولوه بالنّقاش أسئلة عليها يتوقّف مصير البشريّة: فالعنف في مسار الثّورات والانتفاضات والحروب الأهليّة والاحتلال والاستعمار بشاعة ما تزال تلطّخ وجه البشريّة تشفّ عن حيوانيّة أولى تستدعي وجوهًا من الاحتجاج السّلمي والرّفض الجذري. وما تزال البشريّة تشرب من كأس الاستبداد والفساد وإهدار الثّروات والتّفقير والتّهميش واللّجوء والتّهجير والإقصاء ، هنا وهناك ، في بقاع شتّى من العالم بما في ذلك ما شبّه للخلق من جنّات الرّأسماليّة.
وما تزال الشّركات العابرة للقارّات وصندوق النّقد الدّولي ومنظّمة التّجارة العالميّة والبنك العالمي أدوات لامتصاص دماء الشّعوب وتحديد مصائر بائسة تخبّئها لنا من أماراتها البيّنة المديونيّة ورهن الوطان وسياسات التّقشّف والإفلاس.
نعم ، نما الاقتصاد العالمي وتراكمت الثّروة وتطوّرت التّقنيّات والعلوم ولكن هذه التّغيّرات الجذريّة لم تحقّق للناس ، كلّ الناس، الصّحّة والتّعليم والحرّية والكرامة والعدالة والمساواة والعيش في بيئة سليمة ، بل زادت في مآسيهم وزادت من وتيرة سلبهم حقوقهم خصوصًا منهم النّساء والأطفال.
لوحةٌ سوداء قاتمة السّواد ، قدّمها المجتمع المدني العالمي متّهمًا رأس المال المعولم باحثًا عن البدائلِ.
(3)
كانت وحدة الأسئلة مدخلا إلى وحدة الإجابات والرّدود على قوى الهيمنة والاستغلال فجاءت مرقاةً إلى تضامن عالميّ حقيقيّ.
هنا في تونس ، كان منتدى الشّعوب الذي انتقل لأوّل مرّة من أمريكا اللاّتينيّة أساسا إلى بلد عربي فأضاف إلى دلالة كونيّة الحقوق محتوى كرامة البشر باعتبارها قاسمًا مشتركًا بين الشّعوب.
لقد جاؤوا ليؤكّدوا ، مرّة ّأخرى للمتشكّكين ، أنّ رأس المال الحديث بأدواته الرّهيبة ليس قدرًا فللخيال المبدع أن يصنع عالما آخر.
جاؤوا ليثبتوا أنّ ما يجمع بين النّاس في قوس قزح الأعراق والأجناس والأديان إنّما هو البحث في إنسانيّة جديدة والعمل على صياغة مفردات حضارة جديدة.
جاؤوا ، دامجين خصوصيّاتهم الثّقافيّة في أفق كوني رحب ، ليبرهنوا على ألاّ بديل عن التّسامح والحوار لكسر القوالب الجاهزة والتّمثّلات الخاطئة ولتقرير المصير المشترك.فلا أمّة خير من أمّة ،كما يتوهّم بعضنا، ولا مستقبل لنا نحن العرب و المسلمين إلاّ إذا كنّا نغمة في سمفونيّة الاحتجاج الكونيّ وجزءا من مشروع صياغة الحلم الجديد.
لقد قدّم حفل المنتدى الاجتماعي العالمي صورةً من ديناميكيّة مدنيّة سلميّة لعولمة بديلة عمادها الحرّية والدّيمقراطيّة وسِنادها المساواة والمشاركة والتّضامن. وهي صورة تكشف عند تحميضها وتأمّلها على أنّ "عالمًا آخر ممكن" وأنّ اللّعبة لم تنته بعد مادام البشر هم صانعو التّاريخ أمّا الخطابات التي تعيد إنتاجَ الاستبداد والفساد فزبد سيذهب جُفاء.
كاتب وأكاديمي تونسي










