للانتخابات في العراق أكثر من حكاية تصلح مسلسلة من نوع الكوميديا الساخرة التي تجعلك تستلقي على قفاك من الضحك، وأخرى من نوع الكوميديا السوداء التي تجعل مشاهدها يبكي أو يلطم على رأسه! في العهد الملكي، كانت الانتخابات بالتزكية..لمرشحين معظم
للانتخابات في العراق أكثر من حكاية تصلح مسلسلة من نوع الكوميديا الساخرة التي تجعلك تستلقي على قفاك من الضحك، وأخرى من نوع الكوميديا السوداء التي تجعل مشاهدها يبكي أو يلطم على رأسه!
في العهد الملكي، كانت الانتخابات بالتزكية..لمرشحين معظمهم شيوخ قبائل ورؤساء عشائر..أطلق العراقيون عليهم في حينه جماعة "موافج" أي أنهم موافقون على كل ما يريده الملك أو رئيس الوزراء.
في عهد المرحوم عبد الكريم قاسم، ما كانت هنالك فرصة لإجراء انتخابات لأن الرجل قتلوه قبل أن يكمل خمس سنوات، فيما كانت الانتخابات في زمن صدام على طريقة 99,9% . وأذكر في حينها تعليقا تلفزيونيا لنائبه عزت الدوري انه وصف الواحد بالعشرة بالمئة الذين لم ينتخبوا صدام بأنهم إما أن يكونوا مجانين أو أعداء خونه، فيما الذين صوتوا له.. لم يضعوا أوراقا في صناديق الانتخاب بل وضعوا "قلوبهم" كما تقول الأغنية.
بعد التغيير (2003 ) ظهرت للعلن كلّ الأحزاب التي كانت تعمل سرّا، وتشكلت عشرات الأحزاب والكتل السياسية الجديدة. وكانت هذه الحرية السياسية من أطيب ثمار الديمقراطية، مع أنها ما تزال لا تحكمها قوانين تنظّم عملها وتحدد مصادر تمويلها.
لكن الانتخابات ليس حرية فقط ، بل مسؤولية أيضا لأنها تخص تغيير واقع الناس وحال الوطن إلى ما هو أفضل. فالحاضر البائس الذي نعيشه الآن هو من صنع المواطن.فالذي جرى أن الغالبية استثمرت هذه الحرية لتحقيق غاية شخصية، مصالح فئوية، خدمة حزب أو كتلة سياسية..ولم تكن مصحوبة بمسؤولية مصير شعب ووطن.
إن من حق المرشح للانتخابات استخدام كل وسائل الترويج والدعاية لصالحه، لكن المسؤول الأول عن النتائج هو الناخب العراقي لأنه هو صاحب القرار الخاص بالتغيير، وإن عليه أن لا يلدغ من نفس الجحر مرّه ثالثة بعد أن عظّ إصبعه البنفسجي بتظاهرات شباط 2011. وانه إذا تأثر الآن بدعاية المرشح وليس بما يتمتع به من كفاءة وخبرة وسمعة طيبة، فهذا يعني أن أصحاب السلطة والمال هم الذين سيفوزون وسيبقى المواطن كما يقول المثل الشعبي (ذاك الطاس وذاك الحمام) وسيبقى الوطن يبكي المرشحين الذين أحبوه وما فازوا!.
لقد وجدنا من متابعتنا الدعايات الانتخابية مفارقات لها دلالات. ففي النجف مثلا، نصبت شاشات عملاقة يعرض عليها المرشحون دعاياتهم الانتخابية..الأنيقة..المبهره..التي تستهدف ،سيكولوجيا، إثارة القيم الاعتباريه والوجاهة في اللاوعي الجمعي للناخبين. مقابل ذلك كانت هنالك شابّة في مدينة بعقوبة طبعت كارتات بسيطة وكلفت أخاها الضرير بتوزيعها على البيوت والمارّة في الشارع..وفي هذا فإنها تعزف على وتر التعاطف الانفعالي للناخبين، وتراهن على أن الناس ستنتخب الفقير بعد أن خذلهم الميسورون.
وهنالك من يستهدف العزف على أوتار أخرى. فإحدى المرشحات علّقت دعاية انتخابية لها خالية من صورتها،وكتبت عليها: (انتخبوا العلوية الطريحة فلانة)، والطريحة بالمفهوم الشعبي أن لدى العلوية المرشحة كرامات من السيد فلان. وكتبت مرشّحة أخرى: (انتخبوا خادمة المنبر الحسيني)، وثالث كتب تحت اسمه: (موكب غريب طوس)..وهذا يعني أن (العلوية الطريحة) تراهن على فئة اجتماعية تعتقد بأنها امرأة نزيهة وأنها تصنع المعجزات، وتوحي بأن في الشعب العراقي أفرادا يجعلون هذه "العلوية" تفوز على منافستها حتى لو كانت دكتوراه في القانون!.وقل الشيء نفسه في ما يخص المرشحين الآخرين، فكلاهما يستهدفان العزف على أوتار الانفعالات الخاصة بشعائر طائفة معينة.
وهنالك من يعزف على نفس الوتر ولكن بطريقة أخرى بأن وضع بجانب صورته آية
قرآنية ترد فيها كلمة "برهان" لأن اسمه ينتهي بنفس الكلمة، وبهذا فإنه يعزف على وتر ديني يعتقد أن الناس سيعدّونه مرسلا من الله. فيما حصل العكس لدى مرشحين آخرين نزعوا عمائمهم الدينية وظهروا للناس بصور أفندية. وهذا يعني أنهم تخلوا عن الدين من اجل السياسة..لأنها أدسم! ، وأنهم أفضل أخلاقيا من سياسيين معممين هم في نظر الناس منافقين.. بمعنى أنهم إذا اتهموا بالفساد فالتهمة عادية لأن هذا حال الأفندية، فيما هي عار وفضيحة إن كان صاحبها معمّما.
ومن المفارقات الاجتماعية أن الرجل في المجتمع العراقي له المكانة العليا وأن الزوجة هي التي تتباهى، فيما حصل العكس لدى مرشح روّج لنفسه في ملصقه الانتخابي بأنه( زوج نائبة في البرلمان).وربما يكون قد راهن على سمعة زوجته ونشاطها في البرلمان، فيما علّق عليه احدهم ( أستاذ ما كفتك مرتك..تردون اتكوشون على الكل).
ومفارقة من نوع آخر..أن ديالى شهدت أكبر بوستر دعائي لأحد المرشحين بحجم (25 x 30 م) نصبه في موقع ستراتيجي بالمدينة، فيما شهدت النجف أصغر ملصق طوله بالسنتمترات لمرشح شاب، وحين صعد ليعلقه فوق واجهة بيت سقط المسكين على الأرض وانكسرت يده!
ومع هذه الفوضى في الدعايات الانتخابية فان المفرح فيها أنها تشهد للمرة الأولى مرحلة (الغربلة)، وان العقل المنطقي بدأ يعمل لدى فئة واسعة من العراقيين كان عقلها الانفعالي هو الذي تحكّم بها في الانتخابات السابقة وجرّ عليها المآسي. وان فئة أخرى من العراقيين أخذت تسخر(في تقارير تلفزيونية) من مرشحين إما بتشويه صورة المرشح في الملصق برسم لحية لامرأة مرشحة مثلا،أو بتغيير مفردة في الشعار المرافق لصورة المرشح: (أعمل من أجل محافظتي...إلى : محفظتي!)،وتعليقات ساخرة أخرى من قبيل: ( إذا فازت العلوية فلانة والحجية فلانة..فنيالها المحافظة بمجلس عزا )..وما إلى ذلك من تعليقات ساخرة يجيدها العراقيون توحي بمؤشرات عن بداية وعي انتخابي وتحكيم للعقل المنطقي.
غير أن نتائج الانتخابات لن تكون على ما يحتاجه الوطن، لأن جماهير قاعدة الهرم في المجتمع العراقي هي التي أوصلت إلى مجالس المحافظات والبرلمان والحكومة من هم في مراكز المسؤولية الآن الذين حققوا لأنفسهم الرفاهية والترف فيما تركوا الناس يعيشون حياة البؤس، بل ازدادوا سوءا. فوفقاً لتقرير وزارة التخطيط، ارتفعت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر في محافظة ذي قار إلى 38,8%. وفي تقرير بثته قناة الحرّة عراق، يثير الخجل في نفوس العراقيين والعار على حكومة تدير أمور أغنى بلد في العالم ،أظهر مجموعة من الناس بمدينة البصرة يطلق عليهم (النبّاشه) لأنهم ينبشون في المهملات والنفايات المرمية في الشوارع..وصرحوا قائلين أن عوائل كثيرة (عايشين على هالزبالة!). والملاحظ أن جميع المرشحين لم يصلوا في دعاياتهم الانتخابية إلى المناطق الفقيرة المبنية بيوتها من الطين أو الصفيح، فيما ازدحمت شوارع وسطوح بنايات الأحياء الشعبية بملصقاتهم، واكتظت دواوين ومضايف شيوخ العشائر بالمنتمين إليها، في حال يظهر أن الانتخابات هي تنافس عشائري أكثر منه تنافس ديمقراطي بين الكفاءات العلمية والخبرات العملية والسير الشخصية للمرشحين أو بين برامج لقوى وطنية عابرة للطائفية والعشائرية. وهذا يشير إلى أن الشخصية العراقية ما تزال تتحكم بها هويات الانتماءات الفرعية، وستثبت نتائج 20 نيسان 2013 أن العراقيين ما يزالون بعيدين عن تغليب الهوية الوطنية والانتماء للعراق في القرارات المصيرية، مع أنها تدشّن بداية التحرك في هذا الطريق.










