TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > المحروسة.. عنفوان الحقيقة

المحروسة.. عنفوان الحقيقة

نشر في: 23 إبريل, 2013: 09:01 م

يشهد مسرح «ميامي» كل ليلة عرضا ممتعا هو «المحروسة والمحروس» من تأليف محمد أبو العلا السلاموني وإخراج شادي سرور الذي يلعب دورا محوريا في النص، ويعتمد العرض صيغة المسرح داخل المسرح ، إذ تقرر صاحبة حانة إعادة تمثيل حكاية شجرة الد

يشهد مسرح «ميامي» كل ليلة عرضا ممتعا هو «المحروسة والمحروس» من تأليف محمد أبو العلا السلاموني وإخراج شادي سرور الذي يلعب دورا محوريا في النص، ويعتمد العرض صيغة المسرح داخل المسرح ، إذ تقرر صاحبة حانة إعادة تمثيل حكاية شجرة الدر ملكة مصر من وجهة نظر جديدة تعمد مؤلفها الرد بها على محاولات تهميش النساء من قبل الحزب الحاكم في مصر الذي قال في برنامجه إن الولاية الكبرى لا تجوز للمرأة ولا للمسيحي، و«شجرة الدر» هي ملكة حكمت مصر وقادتها للانتصار على الغزو الأجنبي في حين استسلم الخليفة المعتصم بالله «أحمد راتب» الذي أفتى بقتلها أمام هجوم التتار على بغداد، وجسد الفنان الكبير كل تناقضات الشخصية.

هما إذن روايتان للتاريخ إحداهما تتم من وجهة نظر طبقية ذكورية والأخرى تتحرى الوصول إلى الحقيقة وتوصيلها حيث يتمنى «شادي سرور» أن تكون رسالته قد وصلت للجمهور» يواجه فنانو المسرح كتابا ومخرجين وممثلين وفنيين معضلة التعبير عن واقع يتحول كل يوم مثلما هو الحال في بلادنا بعد الثورة، وفي نفس الوقت يزداد شعور هؤلاء بضرورة المسرح في الأوقات العصيبة ربما أكثر مما يشعرون بهذه الضرورة في أوقات التطور الاعتيادي والعلاقات الواضحة بين مختلف القوى والرؤى والأفكار والتوقعات التي تظل في مثل هذه الأوقات العادية معروفة سلفا بدرجة كبيرة.

ولأن المسرح يتوغل في قلب المسكوت عنه في الحياة الاجتماعية، ويلعب دورا رئيسيا في تعرية الأسس الغائرة وغير المدركة لهذه الحياة، ويضعها أمام جمهور يحتمي ببعضه البعض في حالة توحد وجودي لحمتها الدهشة، فإن ضرورته تصبح أكثر إلحاحا في زمن التحولات الكبرى، وفي هذا الزمن يبتدع الجمهور أشكالا مدهشة للمسرح تفاجئ المسرحيين المحترفين، وفي ما بعد يتولي النقاد التنظير لها.

خرج كل من المسرح الحديث من المعبد، ودفع به تطور البشرية إلى الساحات العامة والقاعات التي بنيت خصيصا لتلبي الحاجة نفسها التي مثلها وجود المعبد في العصور القديمة، أي الإشباع الروحي ومواجهة المصير المشترك، وتطورت أشكال المسرح وبناؤه تطورا عاصفا بعد هذا الخروج من المعبد ، إذ وجد الإنسان نفسه وهو يطرح الأسئلة على علاقته بالعالم وبالطبيعة وبأخيه الإنسان بعد أن اهتزت ثقته بالآلهة، وجد نفسه وحيدا في عالم موحش مليء بالألغاز تتعقد فيه الحياة الاجتماعية حتى أن أحد كتاب المسرح المهمين قال إن الجحيم هو الآخرون، وكان هذا المصطلح إعلانا للعجز عن التواصل في عالم أصبح فيه تملك الأشياء محورا ضروريا لبقائه، وكان الإنسان شأنه شأن آدم قد جرى طرده إلى الأبد من مملكة الرب وهو يصارع الوحش القديم بداخله الوحش الذي انطلقت باسمه حربان عالميتان ضاريتان نشأ على إثرهما مسرح العبث كضرورة ،إذ تفاقم العجز الإنساني عن التواصل وولد الخرس، وأخذ البشر ينظرون خلفهم وحولهم بغضب ويجدون ملاذا في الفن وفي فن المسرح على نحو خاص الذي صمد تاريخيا ضد كل أشكال المنافسة القوية من السينما إلى التليفزيون للإنترنت لأسباب كثيرة ، منها طابعه الحميم حيث يحتمي الناس ببعضهم البعض ويتأملون معا في احتمالات المصير وتنفتح أمامهم آفاق التوقعات، والأهم من كل هذا أن احتمالات المصير تقود لإمكانية التغيير، تغيير النظرة إلى العالم، استنباط رؤى جديدة من الصراع الدائر على الخشبة كما يدعونا عرض «المحروسة والمحروس».

وكان «برتولد بريخت» قد رأى أن يقود المسرح الملحمي جمهوره إلى طرح الأسئلة دون تلقي الإجابات، وهي الأسئلة التي تنفتح على إجابات مغايرة، على العالم الذي نتمناه على توقعات كان المعتاد منها قد تهشم أمام عنفوان الحقيقة الكامنة في قلب الحركة الخفية للواقع التي كشف عنها المسرح كأعظم منابر الديمقراطية على الإطلاق، فحين جرى تقييد الحريات العامة في الحقبة الناصرية التي شهدت تطورا هائلا في منظومة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية ازدهر المسرح كأنما ليعوض النقص في منظومة التحرر، وتبلورت الأفكار والقضايا الكبرى على خشبته حيث قدم أهم كتاب الدراما أعمالهم الرئيسية وملأوها بالرموز والإسقاطات متوغلين في التراث الشعبي وفي أعماق الثقافة العربية الإسلامية ليقرأوها مجددا.

فماذا يريد المسرح لكي يحقق رسالته عبر الفكر والفرجة؟ إنه يريد الحرية لا فحسب لينشأ مسرح سياسي عاصف وإنما أيضا لتنفجر كل البُنى القديمة في المجتمع ويجري نسفها لينشأ العالم الجديد عفيا حرا وجديرا بأحلام الثورة.

غيرت الثورة أفق التوقعات وأخذ المسرح الذي يعمل في ظل القبضة الأمنية والظلامية يعافر ليشق لنفسه طريقا. ويستلهم المسرحيون الجدد هذه الأشكال العفوية للتمسرح التي ولدت من رحم الثورة ومشاركة النساء فيها ووضعت القيم البالية موضع النقد لتخلص الساحة قيما جديدة للعدالة والمساواة والحرية والكرامة الإنسانية.. وهو ما حدث بعد كوميونة باريس، وبعد ثورة الشباب في ستينات القرن الماضي وبعد ثورة الشباب في 25 يناير في مصر.

يخشي الاستبداد من الثقافة ويموت رعبا من المسرح، لأن المسرح هو أقدر الفنون على زلزلة عروش الاستبداد،وتاريخه الغني شاهد على ذلك.

وحين يتقنع الاستبداد بالدين تصبح المعركة بينه وبين المسرح معركة وجودية لا لأن المسرح تاريخيا نشأ في المعابد وإنما أيضا لأنه فن علماني بامتياز يضع الإنسان أمام نفسه متملكا لمصيره وهو يكشف الغطاء عن الحقيقة دون زيادة أو نقصان ،وبهذا المعنى فإنه يمكن أن يحل محل الطقوس الدينية.

من دون المسرح تصبح الحياة فقيرة أحادية البعد وتنفتح بذلك على كل أشكال التعصب والتطرف والكراهية ورفض الآخر. أما المسرح فهو علامة على غنى الحياة يسقي أشجار التواصل والتعايش لتنمو وتخضر أوراقها.

تدهشنا روح الفريق الرائعة في «المحروسة والمحروس» حين تواصل سوسن بدر قدرتها على الابتكار وتلحق بها لقاء الخميسي ويتميز كل من مجدي رشوان وهشام الشربيني وسامح عيسى وأحمد عثمان بفرادة خاصة، ومعهم فريق التتار واللاعبين سامي المصري وسمير عامر وحمد حسن وعلي فرج وعمرو يوسف وعمرو بهي ووليد الهندي وأحمد يوسف ومحمد عبد العزيز، ويحتاج صوت سامح عيسي وموسيقاه التي وزعها حمدي رءوف إلى كتابة خاصة مع استعراضات فاروق جعفر.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

المرجعية العليا تدين العدوان على إيران وتدعو لوقف الحرب فوراً

إطلاق سراح 42,284 شخصاً في شباط بموجب قانون العفو

الأعرجي وعراقجي يبحثان تعزيز ضبط الحدود المشتركة لمنع التسلل خلال الحرب

طهران تحذر الاتحاد الأوروبي من "الانضمام إلى الحرب"

بدء مراسم وداع "خامنئي" وإيران تدخل مرحلة اختيار الخليفة!

ملحق منارات

الأكثر قراءة

التصحر: معركة العراق الخاسرة

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

العمود الثامن: ‎من قتل ينار محمد ؟

العمود الثامن: حروب الكتل الأكبر

العمود الثامن: حروب الكتل الأكبر

 علي حسين مثلما اصبحت "الف ليلة وليلة أشهر الحكايات في تاريخ البشرية، تحولت حكاية الكتلة الاكبر في بلاد الرافدين الى أسطورة خرافية سمّيت بالمحاصصة الطائفية ، فمنذ عام 22010 عندما حصل السيد اياد...
علي حسين

قناطر: الثورة التي خسرتُها ذاتَ يوم

طالب عبد العزيز كنتُ ما أزال شاباً؛ أعي حقيقة النظام البهلوي، حين حطّت طائرةُ السيد روح الله الموسوي الخميني في المطار، وبامّ عيني هاتين؛ كنتُ شاهدتُ الطفلة الصغيرة، وهي تمشي بقدميها الصغيرتين على أكتاف...
طالب عبد العزيز

خراب التعليم: الامتداد الممنهج لخراب المعنى

علاء جواد كاظم ليس هناك ما هو اخطر على امة من أن تتوهم أنها تتعلم، بينما هي في الحقيقة تعيد إنتاج الامية بطريقة أكثر تنظيما واناقة. فتردي التعليم لا يبدأ بانهيار جدران المدرسة، أو...
علاء جواد كاظم

كفى إستهانة بخطر التلوث الإشعاعي لذخائر اليورانيوم !

د.كاظم المقدادي (1 - 2) أنتج إستخدام أسلحة اليورانيوم المنضب تلوثاً إشعاعياً واسعاً، وخلف اَلاف الأماكن المليئة بالركام المشع، في أرجاء العراق.وقد نجم عن الإشعاع أضرار بيولوجية جسيمة. بالمقابل لم تكن إجراءات الحكومات العراقية...
د. كاظم المقدادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram