اعرف أن هناك الكثير من خبراء الحكومة المحليين ومستشاريها، يريدون لها الخير ويعملون بجد من اجل أن تسير عجلة التنمية في هذا البلد، وان كنت أحيانا أتحدث عن جهة ما فانا لا اقصد الإساءة مطلقا لشخص أو أشخاص بعينهم، بقدر ما أشير فقط الى ظواهر أحاول من خلالها توضيح وجهة نظري.
كتبت مقالاتي طوال الثلاث سنوات الماضية، ولم أضع نصب عيني شخصا بقدر ما أفكر بطريقة أريد من خلالها أن اعبر عن وجهة نظري وتحليلاتي حيال الاقتصاد العراقي وهمومه وأحاول ان أقدم حلولا معقولة بشأنها، وهي وجهات نظر قد تحمل الخطأ و الصواب، ووحدي أنا المسؤول عن ذلك.
اليوم سأتحدث عن إشكالية تعانيها الحكومة مع من يقدم لها النصح، وهو أمر يرتبط بما يعرف بـ(التريث)، ولعلي سأضرب مثالين قد يكونان ملائمين للقول أن الحكومة في أحيان كثيرة لا تتمكن من تطبيق ما يقوله وينصح به خبراؤها المحليون ومستشاروها.
قبل مدة حدث وان قررت الحكومة إلغاء البطاقة التموينية، أو بكلمات اقل وطأة إصلاحها، وذلك بالتحول بها نحو البدل النقدي، وهو أمر اتفق معه تماما، مثلما يتفق معي الكثيرون، لكن نزولا لرغبات الشارع وبعض الضغوط السياسية المعارضة، وأيضا بسبب الطريقة المفاجئة التي أعلن بها عن الأمر، والتي اتسمت بشيء من التسرع وعدم التدرج، فان الحكومة تنازلت عن قرارها وقالت بـ(التريث) في تطبيقه.
ونفس هذا الأمر حدث قبل أيام قليلة، وهو ما يتعلق بقرار تقديم ورقة براءة الذمة من مستحقات الحكومة للكهرباء على المواطنين، وأنا اعرف تماما أن العنوان العام لهذا القرار صائب أيضا، وهو ما يتعلق بضرورة دفع الناس ما بذمتهم للحكومة من أجل الإسهام في تحمل الأعباء العامة ومن اجل ضرورات ترشيد الاستهلاك والطلب على الكهرباء ليتوازن مع العرض بشكل خاص، لكن الحكومة اختارت أمراً تعقيدياً آخر يضاف الى سلسلة أوراقنا الثبوتية علينا حمله معنا أينما ذهبنا وهو براءة ذمة من الكهرباء!
وهكذا وأيضا بسبب ضغوط الشارع وزيادة على الحرج السياسي الذي تعانيه الحكومة من مناوئيها، وبسبب اختيار آلية غير ملائمة لتنفيذ الأمر، فما كان منها إلا ان قامت من جديد بإصدار قرار بـ(التريث) في تطبيق القرار.
اعرف أن هناك من يعمل من اجل تقديم النصح والخبرة للحكومة، واعرف أن النوايا صادقة في أحيان كثيرة، لكن الإخراج النهائي وترجمة هذه الخبرات الى قرارات من الحكومة وجهاتها التنفيذية قد يواجه خللا كبيراً.
هذه هي المشكلة الأزلية في حكوماتنا، أنها تأخذ من الاقتصاديين والخبراء ما يقولونه، لكنها تترجمه بطريقتها ، وان لم تتمكن من ذلك فان الخطط والقرارات تبقى معلقة على الرفوف وذلك بقرارات اسمها (التريث).










