TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قلم الرب

قلم الرب

نشر في: 28 يونيو, 2013: 10:01 م

كان في زمن النبي موسى، حطّاب شديد الفقير والتْعَب بسبب مهنته القاسية، وسمع يوماً بأن النبي موسى سيذهب لمناجاة ربه، فقرر أن يطلب منه الوساطة عند الله بتغيير مهنته وحاله. ووافق النبي، ولكنه عندما عاد من ميقات ربّه اخبر صاحبنا بأن الرب يقرئه السلام ويقول له: بأن قَلَم القُدْرَة سبق وأن حدَّد المصائر، ولا سبيل لتغيير ما كتبه هذا القلم. الحطاب ورغم شعوره بالإحباط والحزن، إلا أنه امتثل لإرادة الرب وجمع في اليوم التالي ضعف كمية الحطب، سعياً وراء تحسين أحواله المعيشية. لكنه وكلما حاول حمل "كورة" الحطب، التي باتت ثقيلة، فشل وسقط على قفاه. إلى أن شعر بالحزن والغيض فرفع رأسه إلى السماء وقال: يا رب، إما أن يكون القلم هو ربك، فاصدِّق بأنك لا تستطيع تغيير ما كتبه عليَّ، أو أن تكون أنت رب القلم، فامْسِكه إذاً من جديد، واكتب لي به غير هذا المصير النحس!!
وما كاد الحطّاب أن يتم كلامه، حتى وقف على رأسه كبير تجار البلد، وعرض عليه أن يشتري منه كارة الحطب بأضعاف ثمنها، شرط ان يوصلها معه إلى البيت، ويعمل بخدمة ضيوفه بقية يومه. وعندما وصلا، كانت المفاجأة كبيرة، حيث تبين أن الضيوف هما الملك وكبير وزرائه. وصادف أن اعْجَبَ الملك نشاط صاحبنا وهو يخدمه، فسأل التاجر عنه، فاخبره بأنه أحد أقربائه، خجلاً من أن يكتشف الملك بأنه أدخل عليه رجل غريب. وهنا همس الملك لوزيره قائلاً: لقد أحببت هذا الشاب من أول لحظة رأيته فيها، وأريد أن أقدم له خدمة، فبماذا تنصح، فقال الوزير: سمعت أن لصاحبنا التاجر قريباً، يريد الزواج من ابنته لكن التاجر يرفض، واحسب أن الشاب هو ذلك القريب. وهنا اعتدل الملك بجلسته واقسم للوزير بانه لن يتذوق الطعام قبل أن يتمم الزواج، متبرعاً للشاب ببيت يليق بالزوجة، فقال الوزير: وأنا أتبرع بصداق يليق بشاب حاز إعجابك بهذه السرعة. وعندما جاء التاجر بالطعام فوجئ بأن القَدَر قد احكم عليه فخاً لا يمكن الخلاص منه، فلم يجد أمامه غير أن يوافق على الزواج، الذي كسر إرادة قلم القدرة.
في الحكايات الشعبية البسيطة، توجد غالباً حكّمة عميقة، في بعض الأحيان تُصرح الحكاية بحكّمتها، وفي أحيان تلمّح لها تلميحاً، لحسّاسيتها أو لخطورتها، كما هو حال حكايتنا هذه، التي تريد أن تقول: بأن العبد لا يحتاج لوسطاء بينه وبين ربه. فعلى الرغم من أن الوسيط هنا كان موسى، إلا أن وساطته لم تنفع الحطّاب كما نفعته لحظة قهر، أنسته رهبته من ربه فخاطبه بقوة وصدق وصراحة. كان هذا حال الحطّاب رغم أن وسيطه نبي، فكيف يمكن أن تنتهي معاناتنا ونحن لا نثق بربنا، وقد ابتلينا بمصير نحس، ووسطاء، بعضهم، أشد نحساً من البوم في ليلة ظلماء وسط مقبرة موحشة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

 علي حسين نحن بلاد نُحكم بالخطابات والشعارات، يصدح المسؤول بصوته ليخفي فشله عن إدارة شؤون الناس.. كل مسؤول يختار طبقة صوتية خاصة به، ليخفي معها سنوات من العجزعن مواجهة واقع يسير بنا إلى...
علي حسين

كلاكيت: عن (السينمائي) وعبد العليم البناء

 علاء المفرجي علاقتي مع (السينمائي) لها حكاية، تبدأ من اختياري لها لكتابة عمودي (كلاكيت) منذ عددها الأول، ولا تنتهي بعددها الأخير. ولئن (السينمائي) تحتفل بعشريتها الأولى، كان لزاما عليّ أن أحتفل معها بهذا...
علاء المفرجي

تركيا تواجه التحول الجيوسياسي الناجم عن عودة دونالد ترامب إلى السلطة

جان ماركو ترجمة: عدوية الهلالي في الأسابيع الأخيرة، ومع ظهور الديناميكيات الجديدة للجغرافيا السياسية لترامب، تركز الاهتمام إلى حد كبير على اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية، بدلاً من التركيز على دول الطرف الثالث التي...
جان ماركو

منطق القوة وقوة المنطق.. أين يتجه صراع طهران وواشنطن؟

محمد علي الحيدري يبدو أن ملف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة دخل مرحلة جديدة من التعقيد، ليس بسبب طبيعة الخلافات القديمة، بل نتيجة تبدّل ميزان القوى الإقليمي والدولي، الذي بات يفرض مقاربة مختلفة عن...
محمد علي الحيدري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram