يشير محمد عابد الجابري أثناء ردّه على رسالة حسن حنفي في كتاب حوار المشرق والمغرب: إلى اندهاشه أول حلوله في دمشق، من تحية الناس بعضهم لبعض بكلمة (مرحباً)، حيث يقول، إن هذه الكلمة تستخدم في المغرب للترحيب وليس لإلقاء التحيّة، إذ تستخدم بدلاً عنها تحية الإسلام: (السلام عليكم)، ثم يؤكد بأنه لم يفهم سبب استخدام هذه التحيّة، إلا بعد أن التفت إلى أن أفراد المجتمعات التي توجد فيها أديان كثيرة، يسعون لاستخدام تحية محايدة فيما بينهم، بخلاف تلك التي يعيش فيها أبناء دين واحد.
هذا الذي أشار إليه الجابري، يمثل آلية من آليات التصالح المجتمعي، التي تستخدمها المجتمعات لتحقيق الانسجام بين أطيافها المختلفة، ولذلك قلّما نعثر على التشدّد لدى أبناء العوائل التي يكون الأبوان فيها من دينين، أو مذهبين، أو قوميتين، مختلفتين، والسبب أن هذه العوائل تسعى لتجفيف المنابع التي تهددها، كوحدات اجتماعية متماسكة، بالتفكك، وهي هنا منابع عقائدية/ فكرية. بعبارة أخرى يسعى الأبوان إلى التركيز على المشتركات الفكرية، الدينية، أو القومية، في أجواء العائلة، فينشأ الأطفال وهم يحملون صورة جميلة عن المختلف عنهم.
المغزى، أننا كمجتمع لن نصل لحالة الاستقرار الأمني ما لم نصل قبل ذلك لاستخدام آليات التصالح المجتمعي، وفي مقدمة هذه الآليات تجفيف المنابع الثلاثة الأهم للإرهاب، وهي: المنبع الفكري والمنبع الاجتماعي والمنبع المالي. وعمليات التجفيف لكل من هذه المنابع لا بد أن تتولاها مؤسسات مصالحة محترفة ومخلصة، ويديرها مسؤولون لا يعانون من أمراض التمييز.
هناك فرق كبير بين نوع المصالحة التي عمل عليها غاندي ونيلسون مانديلا، وبين بقية أنواع المصالحة التي عمل عليها المرضى بالتمييز، فالأولى حقيقية وتبدأ بتقديم التنازلات من قبل الزعيم نفسه، فلا أحد يستطيع أن يزايد على معاناة مانديلا من التمييز العنصري الذي استخدمه البيض ضده، ولذلك عندما انطلق بالمصالحة من مسامحته البيض، كانت انطلاقته مثمرة وموفقة. أما النوع الثاني من المصالحة، كالذي استخدمناه نحن، فهو نوع غير مثمر لأنه فوقي واستفزازي، ويهتم بدفع الآخر إلى تقديم التنازلات، لذلك فهو عملية تصفية حسابات أكثر منه عملية مصالحة. وقد راعني مطالبة ائتلاف دولة القانون بقانون تجريم حزب البعث في واحدة من أكثر لحظات التوتر الطائفي في العراق، وهي حركة تعبر عن عدم قناعة الأكثرية بقدرتها على السيطرة على الأوضاع في البلد، ومن خوفها المبالغ به من التاريخ القريب، بعبارة أخرى: لدينا أكثرية تتعامل بذهنية الأقلية، ذلك أن الأكثرية الحقيقية لا تخاف من تقديم التنازلات، وتعمل بطريقة احتوائية، لأنها أم الولد كما يقولون، أي أنها الخاسر الأكبر من حالة تفكك الدولة، والرابح الأكبر من عافيتها.
بدلاً عن: (السلام عليكم)
نشر في: 29 يونيو, 2013: 10:01 م
جميع التعليقات 1
مات عفلق
الفرق الكبير بالمصالحة الذي تحدثت عنه المقالة ليس كما جاء فيها من حيث ان مصالحة مانديلا تختلف عن مصالحة ( المرضى بالتمييز ) ! الفرق ان هناك نظام مجرم اعترف واقر بالذنب بعد ان هزم تحت الضغط الشعبي والمجتمع الدولي وتبع ذلك اجراءات قانونية لم يعترض احد على