لا يمكن فهم الإنسانية، دون قراءة التراث الخاص بعلم الأنثروبولوجيا، الذي يفتح أمامنا آفاق التعدّد والاختلاف في ثقافات العالم الإنساني، ويعلّمنا ان الاختلاف ناتج عن عمليات تكيُّفية، الغرض منها إشباع أكبر قدر ممكن من حاجات الإنسان.
قبل أيام كنت أراجع بكتاب يبحث في أشكال الأُسْرَة، والطرق المختلفة في تنظيم عملية الزواج، وأدهشتني بعض الطرق التي نعتبرها غريبة، بل شاذّة، بينما هي محترمة عند من يتَّبعونها، وهي تختلف عما نألفه نحن بمقدار اختلاف الظروف الموضوعية التي تحيط بنا عن تلك التي تحيط بهم، الأمر الذي يؤكد نسبيَّة المعايير التي نستخدمها في الحكم على الأشياء، فما نعتبره شاذاً ولا أخلاقياً، يعتبره غيرنا بمنتهى الانسجام مع الأخلاق، وهذا يعني، أن حكمنا على المختلفين عنّا وفق معاييرنا لا وفق معاييرهم، هو تعالٍ وغرورٌ فارغان.
واحدة من اغرب أشكال الأُسْرَة هي تلك الموجودة عند جماعة "النايار أو الناير" بإقليم "مالابار" في الهند، وهي جماعة محاربة كان ينشغل رجالها بأعمال الجندية، ويقيمون بعيداً عن أهلهم في معسكرات التدريب، بينما تعمل النساء خادمات في بيوت طائفة البرهميين. وتتَّبع هذه الجماعة نظام تعدد الأزواج، حيث يُعْقد للفتاة وهي دون سن البلوغ، عَقداً شكلياً، على احد أبناء عشيرتها، تنفصل عنه بعد ثلاثة أيام دون أن يمسَّها، ثم يحق لها بعد ذلك أن تتزوج -من دون عقد- عدداً من الرجال لا يتجاوز عددهم الأحد عشر رجلاً، من أبناء قبيلتها، وتزيد بعض المصادر على ذلك بأن هذه الجماعة تفضل أن لا تنجب نساؤهم إلا من رجال طائفة البرهميين، ممن يعملن عندهم. ونتيجة لهذه الملابسات، تتولى نساء هذه الجماعة إدارة شؤون العائلة بالكامل، حيث تبقى عند أهلها وتفتح بيتها المستقل برعاية أخوتها ويُنسب الأطفال لها، أما أبوهم فيكون ذلك الرجل الذي جمعها به عقد الزواج الشكلي.
المغزى يا أصدقائي، أن القيم والمعايير الأخلاقية، نسبيَّة، فكل مجتمع يضع المعايير التي تتناسب مع ظروفه. نحن نحرم الزواج من زوجة الأخ ما دام حيّاً، لأننا لا نعاني من ظروف تحتم علينا القبول بهذا الزواج. لكن بعض المجتمعات التي يجد أفرادها صعوبة في إعالة الأسرة، تسمح للأخوة بالاشتراك بزوجة واحدة، ليتعاونوا في إعالته وإعالة الأطفال. وفي مجتمعات أخرى يتزوج مجموعة من الأخوة من مجموعة من الأخوات، وكل من هذه الجماعات تعتبر أن نظام الزواج الذي تتبعه هو الأخلاقي، وما عداه باطل وغير شرعي.
لكن نسبيَّة الأخلاق ليست مطلقة، فجميع الثقافات تُحرِّم: قتل الإنسان، أو سلبه حقوقه وممتلكاته، أو منعه من إشباع حاجاته. الأمر الذي يؤكد أنها هي الجرائم الإنسانية، وما عداها فقضايا يترك تحديد الموقف منها لكل جماعة على حده.