قبل ليالٍ صادف أن طفلي الصغير لم يشعر برغبة في النوم، ولأنني غالباً ما أنام متأخراً، فقد بقينا لوحدنا نعالج أسباب السهر، هو يحاول أن يجعل منّي شريك لعب فعال، وأنا أحاول ان أقنعه بأن يختار لعبة لا تحتاج لشريك، بسبب انشغالاتي. المهم انتهينا إلى حل الرسوم المتحركة، يشاهد ما طاب له منها على حاسبتي على أن يتركني انهي واجباتي. وهكذا كنت بين الحين والآخر استجيب لطلبه في تشغيل فيلم بديل أو المشاركة بضحكة تصدر عني باردة وكذّابة، أو متابعة مقطع يرغب بمشاركتي في متابعته. بعد ذلك شعر بالجوع، فاستمتعت لأول مرة بإعداد الطعام له وإطعامه، فغالباً ما تسهر مع هذا الصغير زوجتي وتتولى هي رعايته وملاعبته عندما لا يستطيع النوم.
المهم في نهاية المطاف شعر بالنعاس ونام، نام قريبا مني، نام وأنا أمسد على رأسه، نام بعد أن حقق جميع الأشياء التي رغب بتحقيقها تلك الليلة، نام وهو يكركر مستمتعاً بمقالب أبطال الرسوم المتحركة. نام وتركني أفكر ببقيّة الأطفال في العراق، بأولئك الذين حصدت آباءهم عبوات المفخخين وخيانات السياسيين وفساد المسؤولين. وتركتهم بين فكي اليُتم الكريهين. نام وتركني أتمنى امتلاك قدرات "بابانويل" فاستطيع الدخول من مداخن جميع البيوت لأضع تحت وسادة كل طفل الهدية التي يرغب بها. فعلاً تمنيت لو أنني استطيع بتلك اللحظة أن اطَّلع على أحوال جميع اليتامى في العراق، أن أُحْصي أعداد هذا الجيش المخيف الذي ينمو من حولنا دون ان نشعر به، أو نكترث لمعاناته، ولخطورة اهمال هذه المعاناة.
لا تمر الأحزان على الأطفال كما على غيرهم، فبالنسبة لهم الحزن وجع غير مفهوم ولا مبرر، دبابيس ألم تنغرز داخل براءتهم ولا يعرفون من يغرزها ولماذا يفعل ذلك. كل رغبة لا يتم تلبيتها هي بمثابة سكين صغيرة تنغرز عميقاً في اوجاع الطفل وتبقى هناك تؤلمه بين الحين والآخر. هذا ما يحدث عند كل لحظة جوع أو عري أو خوف أو وحشة أو قلق أو مرض أو أو أو الخ. والسؤال الذي انتهيت إليه تلك الليلة: من المسؤول عن حماية يتامانا في العراق من سكاكين الإهمال التي تنغرز فيهم يومياً. من المسؤول عن تخليصهم من كم السكاكين الهائل التي جرحت براءتهم بوقت سابق؟
لم أجرب اليتم، لكن العبرة تخنقني كلما تذكرت هذا المصطلح بيني وبين نفسي، ولا أتذكر أن هذه الكلمة استيقظت، يوماً، داخل وعيي دون ان تُلْجئُني إلى مغالبة دمعة أو الهرب من حرقة.. لكم الله يا أيتام بلدي، الله الذي يقال بأن حكمته تحرص على رعاية وبقاء احزان الأطفال حرصها على رعاية وبقاء افراحهم، من منطلق أن كلاهما ضرورة من ضرورات الحياة.
سكينٌ لقلب كل طفل يتيم
نشر في: 2 يوليو, 2013: 10:01 م
جميع التعليقات 1
ايمان علي
والله ضاعت كل الكلمات لابداء راي متواضع بخصوص هذا الموضوع بقيت فقط دموع مع كل كلمه قراتها,,الله وحده(فقط)يعلم معاناةامهات الابتام ويعينها وحسبنا الله..