تتداخل الاختصاصات عندنا في لحظة احتدام ، وبدلاً من أن يكون الهدف المعلن والمقصود هو البحث عن الحقيقة، نضيع في زحام الأفكار، ويصبح لدينا بحر جارف من الأحكام والآراء ، ولن يبقى في النهاية من أصل الفكرة غير الهشيم الذي تذروه الريح!
لن نستكثر ممارسة حق النقد على الجمهور، ففي أحيان كثيرة، يكون بعض من الجمهور أو أغلبه على حق في حكمه إزاء حالة من الحالات التي يعيشها في الملعب لكن ليس صحيحاً أن الجمهور كله دائماً على حق في كل الظروف ولدى حكمه على الحالات كلها !
ولعل الدليل الحي الذي يمكن استقاؤه لإثبات هذا الانطباع يأتي عند مشاهدة أية مباراة في أي ملعب ..هنا تكثر الأحكام النقدية التي تشيد أو تعيب ، تمدح أو تلوم ، وتصبح أحكاماً بالمجان تصدر في لحظة سعادة أو غضب ثم تستشري في المدرجات كما النار في الهشيم .. ثم تذهب الآراء المتضادة في اتجاهات شتى تـُظهر حالة التناقض في الحكم على مشهد واحد تجري وقائعه أمام الجميع.
كل هذا يحدث كنوع من ردة الفعل على حالة "قانونية" واحدة يعتقد الحكم ما يعتقده إزاءها وفقاً للقانون الذي درسه وتعلمه وإعمالاً لفكره واجتهاده في تطبيق النص والروح !
إنني أضع نفسي أمام الافتراض الصعب كلما عشت أجواءً كهذه وأتساءل دوماً : ماذا يحدث لو أن الجمهور ولنفرض أنه يغطي مساحة 30 ألف متفرج ، قد تحول إلى جيش عرمرم من المعلقين أو النقاد الرياضيين غير المتمرسين في الكتابة الصحفية الموضوعية التي تستوفي شروطها الفنية والمهنية ؟!
بل ماذا لو حدث الاحتمال المستحيل في دنيا كرة القدم ، وامتلك كل واحد من الجمهور الواسع حق استخدام الصفارة جنباً إلى جنب مع الحكم ، وأخذ على عاتقه مهمة تطبيق الشكل الذي يراه للقانون ؟!
لنتصور مشهداً كهذا ، لكي نقتنع في نهاية المطاف بأن الكرة لن تقطع مسافة كيلومتر واحد خلال تسعين دقيقة ذلك لأن الصفارات ستمنعها من التحرك فضلاً عن الانتقال في أرجاء الملعب ، وذلك ناتج عن القرارات الفورية المنفعلة التي يتخذها الجمهور، كل على هواه .. فيضيع نبض القانون في خضم الصفير المستمر!
هل فكرت ، عزيزي القارئ في أن تستقطع خمس دقائق من وقت أية مباراة تشاهدها في الملعب ، لتنقل ناظريك من الميدان إلى المدرجات التي تجلس عليها ، لتراقب انفعالات الجمهور وهي انفعالات تغلي ولا تنتهي كلما تقدم زمن المباراة .. ولا تجد في الغالب من يتحدث إليك في صوت خفيض أو يرهف لرأيك السمع ؟!
هذه تساؤلات فقط.. وكما ترى فان التقاطعات متشعبة .. وبعد هذا أرجو منك عزيزي المتفرج أن تلملم أوراق النقد القاسي الكيفي المنفعل في الملعب .. فذلك أكثر جدوى للاستمتاع بالمباراة!
مائة ناقد.. وألف حكم!
نشر في: 28 يوليو, 2013: 10:01 م










