TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > الزمـــن المهــــدور

الزمـــن المهــــدور

نشر في: 17 أكتوبر, 2012: 07:40 م

تمتع صدام حسين بحرية مطلقة لأن سلطته كانت مطلقة. والسلطة المطلقة تعني تصفير المجتمع من كل اسباب القوة واحتكار هذه الاسباب من قبل حاكم فرد. وقد وصل صدام الى هذه النتيجة بعد 11 عاما من العمل في اطار سلطة البعث، بين 1968 – 1979. وهي الفترة التي قضاها نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة.
ماذا فعل خلال الأعوام التي مهدت الأرض أمام سلطته المطلقة؟
الدولة هي مجتمع سياسي ومجتمع مدني. الأول هو الحكومة والأحزاب. والثاني كل ما عدا ذلك من سوق، ضمنه وسائل الاعلام، ونقابات وجمعيات غير حكومية ومؤسسات دينية. خلال الـ 11 عاما أنجز صدام سيطرته التامة على "المجتمع السياسي" من خلال الغاء الأحزاب وفرض حكم الحزب الواحد، والسيطرة على السلطة بكل ما فيها من قوة عسكرية وأمنية وقضائية واقتصادية.
ان الاقتصاد، أو ما يعرف بالسوق،هو أهم وجوه قوة المجتمعات. وهو ايضا المصدر الرئيس لمداخيل الحكومة، من خلال الضرائب. هذا لا ينطبق على دول الاقتصاد الريعي، حيث النفط هو كل شيء، وهو بيد الحكومة. ما يجعل الثروة ايضا بيد الحكومة، فتصبح مستغنية عن الحاجة الاقتصادية الى المجتمع.
وفي هذه الحالة تصير السوق نفسها تابعة الى الحكومة، هي التي تجيز أو تمنع أعماله وموارده. وبذلك تنتهي القوة الاقتصادية للمجتمع، بعدما اصبحت الثروة مادة وسياسة حكرا على الحكومة، ترفع من تشاء وتخفض من تشاء. الاعلام يعد جزءا من المجتمع المدني، لكن صدام نقله الى ملكية "الحزب والثورة". بعد هذا الجزء الأهم من المجتمع المدني، هناك النقابات والجمعيات غير الحكومية، وقد الحقت جميعا بالسلطة أو الحزب الحاكم. كما جرى التحكم بالمؤسسات الدينية. وهكذا فانه مع عام 1979 كانت كل وجوه واسباب القوة قد انتقلت من المجتمع السياسي والمجتمع المدني الى شخص الحاكم الوحيد، الى الدكتاتور. وأصبح البلد "عراق صدام".
مع حرب الخليج الثانية عام 1991 ضعفت السلطة المطلقة، وكان من أبرز مظاهر ضعفها اضطرارها الى الانسحاب من كردستان، لتستطيع تعزيز السيطرة على بقية انحاء العراق. ما اتاح للكرد استقلالا ذاتيا استمر الى اليوم، وجعلهم قوة فاعلة ومؤثرة في الحركة السياسية التي عادت الى الحياة بعد 2003.
وخلال السنوات الست الماضية من ولايتي المالكي بدأت سيرة جديدة لمراكمة الاستئثار بالسلطة والثروة بيد شخص رئيس الوزراء. السيطرة على المؤسسات المستقلة احد فصول هذه السيرة. وفي سياقها تتموضع اقالة سنان الشبيبي محافظ البنك المركزي. فبعد السيطرة على القوة الأمنية والعسكرية ها هي تتمدد الى بيت المال الذي يحتفظ باحتياط نقدي قدره 67 مليار دولار.
ان المجتمع المدني، الذي قضى عليه صدام، لا يمثل عائقا أمام السيرة المتجددة للاستبداد. حتى وسائل الاعلام الكثيرة اليوم منزوعة الفاعلية لأسباب عديدة أهمها غياب قضاء مستقل قادر على ان يكون ظهيرا لها. والواقع أن كل وسائل الرقابة والمحاسبة، بما فيها البرلمان نفسه، عديمة الفاعلية اذا افتقدت الى الظهير القضائي. والحقيقة المؤلمة هي ان القضاء نفسه صار أقوى أذرعة سيرة الاستبداد، خاصة بعد فتواه التي أبطلت ارادة الشعب في انتخابات 2010.
رغم ذلك فان الأرض، داخليا وخارجيا، لا تبدو ممهدة تماما أمام محاولة عودة ناجحة للاستبداد. لكن فاعلية المحاولة تكمن في الزمن المهدور. في إضافة سنوات أخرى من الضياع.a

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: عباس الأبيض فـي اليوم الأسود

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram