TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > أنسنه الديموقراطية في القطارات: ثقافات تتواصل ورحلات عشق وكتابة

أنسنه الديموقراطية في القطارات: ثقافات تتواصل ورحلات عشق وكتابة

نشر في: 26 أكتوبر, 2013: 10:01 م

استهوت الكتابة في القطارات البطيئة عتيقة الطراز  كثيرا من الكتاب ، فهي تلهمهم  عندما تخترق  بهم  المديات الشاسعة وتساند المخيلة على اكتناز الصور وتثري البصر وتحفز الموهبة  كما يلهمهم  وجود  النساء  الفاتنات المسافرات معهم  في عربة واحدة ، فهذا الشاعر الروسي فوزيينسكي يكتب في القطار( ديوان الإغراء)  مستلهما الحسناوات المترحلات بثيابهن المغوية  ويشرع بكتابة ملحمته الشعرية "  المهرة " في إحدى رحلاته  ليكملها في رحلة أخرى ،لوكليزيو الكاتب الفائز بنوبل عام 2008 يقول  إنه  يحب  كثيرا  الكتابة في القطارات – قطارات الماضي البطيئة الممتعة.
  تمنحنا  رحلة القطار  انفتاحا على التنوع البشري وتيسر لنا  التواصل  مع أشباهنا  وتنسج لعيوننا الدهشة  بمفاجآت الأمكنة المترحلة  معنا  مثلما تكشف لنا عن الاختلاف في سلوك  البشر وعاداتهم  وتطلعنا على تعدد الثقافات وقبول المختلف  في المكان والزمان  المحددين وأسهمت القطارات الأوروبية  في نشر الحداثة وتعزيز فكرة التحرر التي تفضي إلى الممارسة الديموقراطية ومهدت  لها منذ بدء الثورة الصناعية التي انبثقت من ظلام العصور الوسطى  وحروبها لتقيم حضارة التصنيع على  هدير المكائن البخارية  فتتيح للبشر سرعة التنقل والسفر بين المدن والبلدان  في قطارات الفحم والبخار أولا ثم القطارات الكهربائية  وقطارات ( الماغليف )التي تسير على وسادة هوائية وقطارات التناغم السريعة .
  ولكن هل كان   بوسع السكك الحديدية  أن تكون الوسيلة الحضارية الحاسمة للتدرب على الديموقراطية وقبول المختلف وحوار الثقافات في البلدان التي يفتقر مواطنوها إلى التواصل ويستغرقهم انغلاق الأفكار والتعصب ؟
 يبدو أن الديكتاتوريات المتتابعة  التي حكمت العراق منذ  نحو ستين عاما قد أدركت  العلاقة الجدلية بين القطار والحرية فمثلت السكك الحديد خطرا على سلطتها ،لذا حرصت على إبقاء  البلاد مقطعة الأوصال كجزر معزولة  ولمتطور السكك إلا لصالح مخططات الحروب  ونقل المعدات والجنود في الحرب مع إيران كما فعلت  بريطانيا  حين أنشأت أول سكة حديد عند احتلالها للعراق ، ترى ما الذي  كان سيحصل للعراق  لو أنجز  مشروع السكة الحديد  لربط العراق ببرلين أوائل القرن العشرين؟ هل كان السفر الميسر إلى أوروبا  سيغير من  تركيبة وثقافة  المجتمع الذي تغلب عليه القيم القبلية  والبدوية والانغلاق  ؟  وهل كان لهذا  القطار  العالمي  أن يحقق  بعضا  من  التواصل بين الثقافات  المختلفة  وهو الذي سيربط  ( الباءات الثلاثة :البصرة – بغداد – برلين ) ببعضها ؟؟ هل كنا سنرى مجتمعا متخففا من ماضيه   يحيا الحاضر ويدع  التاريخ في المقابر والمتاحف كما يفعل الأوروبيون ؟  
لقد  تعلمت من  رحلاتي العديدة في  القطارات الأوروبية  اكثر  مما علمتني إياه الكتب ، فكيف كنت سأعرف التمييز بين اللغات والأعراق والعادات  لولا  الرحلات العديدة  كرحلتي  بين بودابست وفيينا  حيث ينطلق القطار  من محطة كيليتي العريقة لتمرق إلى جوارنا  جبال وحقول وقرى وغابات  ونحن صحبة مسافرين  صرب وبوسنيين ورومانيين وتشيك وهنغاريين، حولت لغاتهم  القطار  إلى برج بابل  وثمة عاشقان  لاهوية لهما سوى الحب  يتعانقان  في بهجة الرحلة المسائية  وينغم أحد  الشباب أغنيته على الغيتار، بينما تنهمك فتاة بقراءة الخرائط  وتكتب امرأة على  حاسوبها بينما تتناقش سيدات بثياب فولكلورية مطرزة  مع المفتش  حول تذكرة القطار ويصمت رجالهن الريفيون الذين يلتهمون ساندويتشات نقانق متبلة بالثوموتبكي امرأة متوحدة  لدى النافذة ، ففي القطار تتشابك المصائر وتنشط الأحلام والأحزان  ويجري حوار خفي بين الثقافات  قد  يفضي إلى تواصل لاحق بعد بلوغ محطة " فيينا  ويستباهن وف "
 يتبع

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: قرارات روزخونية !

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

 علي حسين منذ أيام والجميع يدلي بدلوه في شؤون السياسة الاقتصاد واكتشفنا أن هذه البلاد تضم أكثر من "فيلسوف" بوزن السيد عزت الشابندر، الذي اكتشف بعد جهد جهيد أن هناك كتاب لكارل ماركس...
علي حسين

باليت المدى: صانعة السعادة

 ستار كاووش متعة التجول وسط المدينة لا تساويها متعة، حيث المفاجئات تنبثق هنا وهناك مثل أقمار صغيرة. وأنا بدوري أُحب متابعة التفاصيل التي لا تهم الكثير من الناس، وأتوقف عند الأشياء والسلع والبضائع...
ستار كاووش

المعضلة الاقتصادية

محمد حميد رشيد ليست مشكلة العراق الأولى هي إختيار رئيس الوزراء أو رئيس جمهورية بل في أختيار حكومة تستطيع عبور المعضلة الإقتصادية العراقية والتي فشلت كل الحكومات العقائدية منذ 2003م لغاية الأن في تجاوزها...
محمد حميد رشيد

قضية إبستين.. فضيحة تهز أركان السياسة والإعلام

محمد حسن الساعدي تُعد قضية الملياردير الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العقدين الأخيرين، ليس فقط بسبب طبيعتها الجنائية المرتبطة بالاتجار الجنسي بالقاصرات، بل لأنها كشفت عن شبكة علاقات واسعة...
محمد حسن الساعدي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram