TOP

جريدة المدى > عام > (جو) قصة نضال من أجل صدى أسطوري على أرض بدائية

(جو) قصة نضال من أجل صدى أسطوري على أرض بدائية

نشر في: 27 نوفمبر, 2013: 09:01 م

عانى المخرج ديفيد كوردن كرين المولود في مدينة اركانزس الأمريكية كثيرا من  التحولات السريعة  والهائلة في صناعة السينما  , كرين الذي بدا مشوار حياته  بممارسة الرمي والصيد و نظم الشعر الهندي فضلا عن صناعة بعض الأفلام . فقد سعى جاهدا

عانى المخرج ديفيد كوردن كرين المولود في مدينة اركانزس الأمريكية كثيرا من  التحولات السريعة  والهائلة في صناعة السينما  , كرين الذي بدا مشوار حياته  بممارسة الرمي والصيد و نظم الشعر الهندي فضلا عن صناعة بعض الأفلام . فقد سعى جاهدا ليبحث عن فكرة فيلم يترك بصمة له واضحة في تاريخ السينما العالمية بعد معاناة شديدة مع المرض , فكان يبدو عليه السخط  والتذمر  وهو يتابع العديد من الأفلام التي تخلو من قيم فنية واعية  مما دفعه إلى انتقاء أفلام جيدة لتقديمها إلى الشاشة ،حيث تردد كثيرا ليستقر بعدها في  منطقة جنوب المسيسبي مع حشد كم هائل  من الأفكار في ذهنه ليسخرها في  رحلة تبقى خالدة في سفر حياته الفنية حيث التجربة التي أرست قاربها على  شواطئ فينيسيا  من خلال مشاركته الأخيرة  في  مهرجان فينيسيا  السينمائي .
استوحى  كاتب السيناريو غاري هوكينز قصة فيلم  (جو ) من رواية الكاتب الأمريكي لاري بروان التي تحمل ذات العنوان  ,  تناول الفيلم بأسلوب رائع ومثير حالة الفقر ومعاناة الطبقات المسحوقة والمعدمة  للجنوب القوطي وبعض المناطق الريفية في جنوب منطقة الميسيسيبي و كسل وخمول السكان المحليين وحياة  الفقراء  الذين يعانون من شظف العيش ويسكنون  أكواخا  مصنوعة من أوراق القطران و البيوت الرثة كما يفتقرون تماما إلى النسيج  الاجتماعي والأخلاقي ،والنقيض من ذلك  نرى بطل الفيلم  جو( نيكولاس كيج ) الذي يحاول  ان يعيش بكرامة  بالرغم من محدودية الفرص المتاحة .
صداقة غريبة
.  جو رانسوم  50 عاما  , رجل يائس وحيد معزول والمنفصل عن زوجته  حديثا يدير  فريقا من الرجال السود الأشداء الذين يمتهنون  قطع الأشجار  في الغابة القريبة من احدى قرى الجنوب الأمريكي ، ، مع ذكريات السنوات المريرة التي  أمضاها في السجن  لاعتدائه على ضابط شرطة وهو في حالة سكر , تنشأ علاقة صداقة تربطه بفتى في مقتبل العمر( كاري ) الذي جسد دوره الممثل (تاي شيريدان ) الصبي والمراهق المضطرب  المليء بالحيوية  والرغبة في إثبات القدرة على العمل والنجاح ومواجهة الأخطار. صداقة غريبة تنشأ بينهما ، في وجود والد الفتى ،  مدمن الشراب ، يضطهد زوجته التي تقبع في الخلفية لا صوت لها بل ولا وجود ، وابنه الذي يتعين عليه أن يتحمل ضربه الموجع وتنكيله به من حين إلى آخر رغبة في الاستيلاء على ما يكسبه من مال  , لم يكترث  كاري لإدمان والده على احتساء الخمر والذي طالما عانى من وحشية وازدراء والده له  .
 سخر جو  جهوده  لحقن النزيف  الدموي للجنوب القوطي  بصورة متفائلة بسبب أزمة الرجولة حيث جسد هذه الشخصية  بشكل رائع  الممثل نيكولاس كيج   . لقد ركز جو اهتمامه  على الطفل وأعطاه فرصة عمل بصفة وقتية . لم يكن جو حكيما وكانت قضيته الرئيسية والواضحة تكمن في  وقوفه معارضا   لمشروع  خط سكك الحديد .وفي مشاهد رائعة يصور الفيلم  كيفية  هدم  وسقوط كوخ كاري أثناء  الحرب الكبرى وهو الآن  يقبع بالقذارة وتمارس فيه الدعارة والرذيلة ،بينما بقيت  أعمدة التلغراف راسخة في أماكنها كما يطلعنا الفيلم على رموز وقيمة الأشجار فأنها لم  تكن مجرد أشجار  التي تبدو مقرفة وان اللعنة تطارد هذه الولاية التي تبدو وكأنها آيلة  للسقوط , الفيلم يروي قصة نضال من أجل صدى أسطوري على ارض بدائية .
اختار المخرج موسيقى تصويرية تبعث على التفاؤل وكان الديكور بصورة عامة وخاصة  الأثاث المستخدم في الفيلم  مألوفا بيد ان  كرين استطاع ان ينظمه بدقة متناهية ، كان أداء الممثل كيج رائعا خصوصا في مشهد  شق قناة واسعة المساحة وقدرته  على  تبطين وحشو هذه  المساحات. لقد أقنع الممثل نيكولاس المشاهدين بتقمصه شخصية جو من خلال الوشم المرسوم على ذراعه و لحيته الكثة  الرمادية وإتقانه  الشخصية  وهو يشعل  السيجار بين أصابع يديه. و يتطلع إلى المنزل في موطنه الطبيعي، أن رجلا مثل جو  لم يعتد العيش في  المنزل  أبدا .
موهبة جو الخارقة
لدى جو هواجس تنذر بالخطر وهو يوضح  نقطة مهمة عندما تبدو الجدران  وكأنها مغلقة حيث يقول  " ان ما يبقيني  على قيد الحياة هو ضبط النفس"،  يملك الرجل موهبة خارقة في  تصويب السلاح على الهدف المطلوب .وهو بحاجة ماسة لهذه الموهبة كونه يملك أسوأ عدو وهو  السبب  ذاته الذي جعله  يعثر  على كلب شرس  يجلس في مدخل بيت دعارة، ينبح دون توقف على أي شخص يقترب .
  لقد امتاز الفيلم  ببعض التشابه مع فيلم (ملائكة الثلج - 2007 ) وبالرغم من التركيز على  الشخصيات ذات  اللمسات الفكاهية  غير اللائقة  مع هيجان العنف  المناخي .  امتاز الفيلم  بالسرد التقليدي والشعور العام حول  موضوعة التمييز العنصري . كما يطرح الفيلم هذا التساؤل  : أي  نوع من الرجال  جو هذا  ؟  نشاهده مقامرا  متهورا يحتسي الخمر  ، ويتردد على  بيوت الدعارة ولا يرحم في بعض الأحيان ، وأخرى نراه طيب القلب ، ويساعد الفقراء والمحتاجين ويحمي الأبرياء  .  
يصور(جو )  قصة رمزية عن العلاقة بين الإنسان وعالم الخير والشر ، الإنسان الذي يميل بطبعه للخير ويريد أن يترك شيئا لجيل قادم جديد ، والشر المطلق المغرق في الدموية متمثلا في والد الفتى وفي رجل آخر يبحث عن أي فرصة لترويع الآخرين ولو حتى بالقتل والاغتصاب المجاني المدفوع  بطاقة شريرة دفينة.  ركز المخرج كثيرا  على تصوير تفاصيل البيئة الريفية ، واهتم بترك مساحات وافرة من الفيلم في استعراض الطبيعة على خلفية موسيقية ملائمة. إنه يضع بطله (الذي يشرب ويقامر ويتردد على بيوت الدعارة )  كإنسان عادي يعيش حياة الأعزب الوحيد الباحث عن المتعة حتى في أشكالها المتدنية ، و في مواجهة الجشع والشر والرغبة في الاستيلاء والسيطرة وقهر الإنسان للإنسان.
ان مشكلة سياق الفيلم  السينمائي هنا مرهق كثيرا للذهن ، فالفيلم مليء بالحوارات العقيمة والشخصيات الزائدة والمشاهد الفجة للقتل بوسائل مباشرة صادمة  للعين ،  فضلا عن إقحام مخرجه  بمشاهد جنس باهتة غير مبررة ، و يصور  الفيلم  تلك العزلة التي يجد البطل نفسه فيها ، محروما  من الحب و الصداقة ، رغم إيمانه بها وثقته في الآخرين وتشجيعه لهم ، إذ يجد نفسه مطاردا من الشرطة لأبسط الأسباب ، لا يهتم بأمره سوى شرطي متقدم في العمر، كان قد ارتبط معه بصداقة في مرحلة الشباب ،  يفهمه ويفهم دوافعه الطيبة التي تؤدي به رغما عنه إلى ارتكاب ما لا مفر منه. إن أبرز الجوانب الفنية في الفيلم  هو ذلك الأداء الرائع   للممثل الكبير نيكولاس كيج. ولعل براعته في تقمص الدور قد يمنح الفيلم نجاحا منقطع النظير  في دور العرض .

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

توقف إصدار تأشيرات الهجرة الأمريكية في بغداد

الهجرة: 20 ألف أسرة نازحة فقط في مخيمات كردستان

ترامب: مهتمون بالحوار مع إيران

التربية توضح تفاصيل قرار المحاولات لطلبة 2024/2025

العراق يتوّج بطلاً في بطولة العباقرة والأذكياء بالأردن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

الـهـويـّة الـوطـنـيـّة: صراعٌ آيديولوجيٌّ أم ضرورة وجوديّة؟

عثمانُ الموصليّ

موسيقى الاحد: موتسارت الاعجوبة

قبل رفع الستار عن دراما رمضان: ما الذي يريده المشاهد العربي؟

بروتريه: حسين مردان.. بودلير العصر

مقالات ذات صلة

الـهـويـّة الـوطـنـيـّة: صراعٌ آيديولوجيٌّ أم ضرورة وجوديّة؟
عام

الـهـويـّة الـوطـنـيـّة: صراعٌ آيديولوجيٌّ أم ضرورة وجوديّة؟

لطفيّة الدليمي ليست مهمّة ميسّرةً أن يتناول المرءُ منّا كتاباً جديداً للدكتور عبد الجبار الرفاعي خارج سياق مشروعه الفكري الممتد؛ فالرجلُ لا يكتبُ كتباً منفصلة في موضوعاتها؛ بل ينسجُ نصوصه داخل أفق معرفي واحد،...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram