TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > زيارة واحدة تكفي لخلق معجزة فنية

زيارة واحدة تكفي لخلق معجزة فنية

نشر في: 29 نوفمبر, 2013: 09:01 م

من الغرابة أن يحضر فنان ما إلى افتتاح معرضه الشخصي ، وصاحب الغاليري ينتظر بفارغ الصبر ، حيث الأعمال لم تصل بعد والقاعة ما تزال فارغة ، وهذا الأخير يسأل الفنان وهو ينظر إلى ساعته عن وقت وصول الأعمال وعن سبب تأخير وصولها ، وهل استجد شيء في الموضوع ، فما كان من الفنان بكل هدوء واسترخاء إلا أن يخرج من جيبه مجموعة من الأسلاك المعدنية وكماشة أو قاطعة أسلاك ويضعها على الطاولة ويقول له بكل برود ، هذا هو المعرض . والفنان الذي أقصده لم يكن مجنوناً أو غريب الأطوار ، كذلك هو لم يسع إلى السخرية من صاحب الغاليري أو التعالي على الجمهور ، بل كان يقصد ما قام به وقاله بشكل كامل وربما بشكل عفوي . كان هذا الفنان هو النحات الأمريكي ألكساندر كالدر ( 1898 – 1976 ) الذي قام بثورة حقيقية في تركيب منحوتاته واستخدام مواد غير تقليدية في أعماله الطليعية التي تضمها كل متاحف العالم المهمة اليوم ، هذا الفنان الذي أخرج الفن من صمته وهدوئه المعتاد وأدخل عليه حركة كانت هي الطابع الذي ميّز تلك الأعمال ، حتى سميت طريقته بالفن الحركي ( وهذه التسمية كان قد أطلقها عليه الفنان الفرنسي دوشامب ، حسب النقاد ) لأن أعماله كانت تتحرك بفعل الهواء وهي تتدلى من السقف عادة وتترك ظلالاً متحركة أيضاً على الحيطان المجاورة ، تلك الأعمال التي تتحرك بتوازن غريب ومحكم حيث يوزع الكتل على أسلاك معدنية متداخلة ومتقاطعة مع بعضها وكأنها شجرة تحمل ثمرات معدنية تهتز بفعل رياح خفيفة .
لكن كيف توصل كالدر إلى أعماله هذه وماهي خطواته التي قطعها كي يترك في النهاية مواد النحت المعروفة ويتجه نحو مواد تبدو غير مهمة ومهملة ومتاحة للجميع ، كيف اختصر كل متريال الفن بأشياء بسيطة ؟ الجواب يأتي هنا من خلال معرضه (حركات في الفضاء ) الذي استضافه متحف مدينة لاهاي في هولندا ، كذلك ما جاء في مذكراته التي دون فيها يومياته وتطور أسلوبه في النحت ، وهنا نعرف أن زيارة واحدة إلى مرسم الفنان موندريان في باريس كانت كافية لتغيير كل شيء في حياة ألكسندر كالدر ، كانت خطواته التي خطاها وهو يدخل مرسم الفنان الشهير هي بداية الثورة التي حدثت في طريقة تفكيره ورؤيته للفن ، كانت حاسمة تلك الزيارة التي حدثت في أكتوبر سنة 1930 ، وهو يذكرها في مذكراته وكأنها حدث مقدس ، كيف لا وهي التي غيرّت طريقه إلى الأبد . كان يحلم بلقاء الفنان الكبير ، هو الفنان الشاب الذي كان منشغلاً ببعض المحاولات لصنع أشخاص من الأسلاك المعدنية ، بينما كان اسم موندريان يشغل العالم كله بأفكاره وأعماله التجديدية ، حيث كان يرسم ويعيش في المرسم وهو يتابع بحوثه الطليعية في التجريد الهندسي . بعد تلك الزيارة قضى الفنان كالدر فترة من حياته وهو يكوّن أعمالاً مستوحاة من السيرك والبهلوانات ، ثم استقر بشكل نهائي في باريس بعد أن تخلى عما تعلمه من والديه ( كانت أمه رسامة ووالده وجدّه نحاتان ) وقد ترك خلفه عدة النحت التقليدية واستبدلها بالأسلاك المعدنية ومقص الأسلاك وبعض القطع الخشبية . تبقى مكانة كالدر في النحت الحديث تشبه برأيي مكانة خوان ميرو في الرسم ، وهناك مقاربات كثيرة بينهما تشير إليها تلك الأشكال الصغيرة التي استخدماها وهي تسبح في الفضاء بعفوية . في معرضه نرى بوضوح تطور أعماله وتقنياته والأدوات التي أستعملها والمواد التي من خلالها جعل العالم كله ينظر إلى أعماله بإعجاب قلّ نظيرة واحترام كبير لطليعيته وثوريته في الفن الحديث.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. محمود المعمار

    المتابعه الفنيّه والغنى والأثراء لمعلوماتنا من قبل الفنّان ستّار كاووش ، عمل ملهم لكلّ فنان ومتابع ومثل يحتذى به لكلّ فنان في العراق والبلاد العربّيه في كشف الكثير من المعرفه بجانب الأبداع الفّني والموهبه الشخصيّه .!

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram