TOP

جريدة المدى > عام > في الحديث عن السينما.. فصول من اللعبة الجادة

في الحديث عن السينما.. فصول من اللعبة الجادة

نشر في: 18 ديسمبر, 2013: 09:01 م

في الثامن والعشرين من ديسمبر «كانون الأول» عام 1895، كان الفرنسيان لويس وأوغست لوميير يقدمان في «المقهى الكبير» بشارع الكوبشيين بباريس أول عرض ناجح للصور المتحركة على ستارـ في ختام جهود لكثيرين في أوربا وأمريكا للوصول الى هذه

في الثامن والعشرين من ديسمبر «كانون الأول» عام 1895، كان الفرنسيان لويس وأوغست لوميير يقدمان في «المقهى الكبير» بشارع الكوبشيين بباريس أول عرض ناجح للصور المتحركة على ستارـ في ختام جهود لكثيرين في أوربا وأمريكا للوصول الى هذه «الآلة الجهنمية» ـ ويضعان البداية الحقيقية للسينما كما نعرفها اليوم.
ولم يكن أحد يتوقع أن يكون ذلك العرض الذي تم لمجرد التسلية واللهو ايذانا بولادة السينما، ذلك الفن الجماهيري الذي سوف يصبح بعد سنوات قليلة من ولادته فن العصر، بل أخطر الفنون التي عرفها الإنسان في تاريخه الطويل، ليس بسبب امكاناته الهائلة على الانتشار والوصول الى الملايين من شعوب العالم، بل بسبب قدرته على اعطاء المتعة والمعرفة في آن، وبسبب الدور الذي يلعبه في التأثير على الأفكار وتوجيهها، وهو الدور الذي سيستغل لاحقا ابشع استغلال.
لقد أتت السينما الى العالم وهو على مشارف القرن العشرين، وبعد اكتشاف الكهرباء بقليل، وأصبحت إحدى ظواهره المرتبطة باتساع الثورة الصناعية وتنوع وسائلها، غير أن هذا هو ما يبدو منها على السطح من حيث كونها حركة،أما في العمق، ومن حيث كونها صورة فاننا نجد مصادرها الأولى في أحلام الفلاسفة وأخيلة الشعراء، وعلى جدران الكهوف، عندما تعلم الإنسان أن يرسم ما يقع عليه بصره، وفيما بعد نجدها في خيال الظل وصندوق الدنياوالفانوس السحري.
فلم يكن العلم الأب الشرعي للسينما بقدر ما كان الفن الذي استطاع الاكتشاف الصناعي أن يفتح مجال التطبيق أمامه، ويوفر له شروط تنفيذ الفكرة العبقرية.
ومنذ ولادتها، اكتسبت السينما صفة«أكثر الفنون شعبية» ذلك أن باقي الفنون لم تكن قد خرجت بعد من مجالاتها المقدسة لتكون بمتناول الشعب، فقد كان القرن التاسع عشر حيث ولدت السينما في عقده الأخير، قرن البرجوازية، ولسوف يظل الرسم يكافح طويلا حتى يفصم روابطه بالواقعية، وكذلك الرواية التي ظلت تبتعد عنها ببطء، في حين بقيت موسيقى «ديبوسي» المفرحة تواجه التحديات. وكانت السينما وحدها تجتاح الثقافات المبنية في الأبراج العاجية كالسيل الجارف.
وشيئاً فشيئاً، ابتعدت السينما عن التشرد، وعن المقاهي والجراجات ودور اللهو الرخيصة، ولم يعد جمهورها ذلك الجمهور القليل الحظ من الثقافة، فاهتم بها كتاب كبار ونقاد معروفون أمثال لويس ديللوك، جان كوكتو، ايلي فور وليون موسينياك. وانتقلت من «أكثر الفنون شعبية»إلى «الفن السابع»بعد ان نشر الناقد الايطالي ريشيو توكاتودو عام 1911 بيانا عن السينما تحت عنوان «بيان الفنون السبعة» وأطلق فيه اسم «الفن السابع» على السينما،كما أصدر مجلة اسماها «مجلة الفن السابع» بغرض اجتذاب اهتمام صفوة المثقفين والفنانين الى السينما، والارتقاء بمستوى الانتاج السينمائي.
وفي عام 1920 ظهرت نوادي السينما في فرنسا أول مرة، حينما لجأ لويس ديللوك وبيار مسموك الى تأسيس ناد سينمائي، وأصدرا أول نشرة تحت عنوان «السينما ـ القضية» وكان من أبرز محرريها الشاعر لوي اراغون.
كانت بداية الافلام السينمائية عبارة عن دقائق قليلة، ولم تكن تهتم بتكنيك أو جدة، وقبل المخرج الأمريكي جريفت ( 1875 ـ 1948 ) لم تكن هناك قواعد للسينما، ولم يوجد حتى فن الإخراج السينمائي بالشكل السليم على الأقل، وكانت أفلام الزمن المبكر، واستطراداً من عام 1899 لا تخلو عادة من اشياء مدهشة (افلام جورج ميليس الخيالية مثلاً).ومع أن التصوير كان جميلا مع وجود كافة التفصيلات إلاٌ أنها كانت أفلاما تفتقد الارتباط والانسجام بين جزئياتها، وكان صانع الفيلم هو المصور.
لقد نقل جريفت الكاميرا إلى مختلف الجهات، وابتكر اللقطة الكبيرة في فلمه «سرقةالقطار الكبرى» واستخدمها بشكل خلاق. وأكد جريفت بأفلامه الطويلة قدرات السينما العظيمة، وترك اسهامه الكبير في المونتاج الذي أخذه السينمائون الروس (بودفكين، فيرتوف، ازنشتاين ودوفمينكو) فيما بعد، وصقلوه حتى غدا رائعا.
ان جربفت الأمريكي وازنشتاين الروسي أسسا السينما كفن مستقل، ومهدا الطريق لظهور مبدعين مثل اورسن ويلز، لويس بونويل، روبرتو روسلليني، فيسكونتي، فلليني، جوزيف لوزي، انطونيوني، برغمان، كوبريك، غودار، تروفو، برتولوتشي، كمال سليم، يوسف شاهين، صلاح ابو سيف، الأخضر حامينا، ساجيت راي،أكيرا كوروساوا، وغيرهم كثيرون دون ترتيب ممن انتقلوا بالسينما الى مستوى الجدية والإبداع.
لقد شهدت سنوات السينما رغم قصرها بالقياس إلى الفنون الأخرى، تحولات كبيرة، كما عرفت اتجاهات متعددة، وإذا كان من الصعب المرور عليها وحصرها، فان بامكاننا اعتبار الصوت والألوان والتقنيات الجديدة في الكاميرا بعض مظاهر هذه التحولات،أما في المدارس والتيارات التي وضعت السينما في منعطفات تاريخية، ودفعتها الى الاستقلال عن باقي الفنون، وخلقت لها لغتها ومفرداتها الخاصة، فنستطيع أن نشير الى سينما الحقيقة الروسية، التعبيرية الألمانية، الواقعية الإيطالية، الموجة الجديدة الفرنسية، السينما الحرة البريطانية، وسينما تحت الأرض الأمريكية، والسينما الثالثة في امريكا اللاتينية.
وعندما نقول أن فن السينما هو فن العصر فلأنه كان الأكثر استجابة لمتغيرات عصرنا الراهن ومعطياته العلمية والنفسية والاجتماعية، فالأحداث السياسية وتطورات العالم أثرت كثيرا على السينما، فالحرب العالمية الاولى أفرزت أفلامها، وخلقت اتجاها سينمائيا ما زال مستمرا (السينما الوثائقية)، كما أن الحرب الثانية التي أدت إلى أزمة الضمير العالمي وحضارة اليأس،أصبحت مصدرا رئيسا للسينما، ولعل السينما هي الفن الوحيد القادر على ملاحقة معطيات علم الاجتماع والتحليلات النفسية، والكشف عن أزمات الإنسان المعاصر، والتعبير عن هواجسه وافكاره وصراعه وأحلامه، واختراق آفاق المستقبل، على نفس المستوى من القدرة من التعبير عن الواقع وحقائقه.
وإذا ما ظلت السينما مرتبطة بأذهان الكثيرين، ليس في عالمنا العربي حسب، بل في أجزاء أخرى من العالم على أنها وسيلة للتسلية وتزجية الوقت وملء الفراغ، فان هذا يصدق على نمط معين من السينما ظل متمركزا في خطوط انتاج الشركات السينمائية التجارية. ذلك أن الأمر قد حسم نهائياً لصالح السينما الجادة التي تستند الى النضج الفني والفكري. فمنذ عام 1940 تقريبا، وحين بلغت تقنيات السينما السقف واستقرت لغة الشاشة، زالت النشوة الخالصة للسينما، وأضحى المعنى الخاص للفيلم واضحا، وكان لا مناص من الانفصال بين السينما المعدة للاستهلاك الواسع والسينما التي لا ترى في الفيلم ذلك الرسول الخاص للفن الشعبي، فقد اندفعت مرة واحدة ودون توقف سينما التجديد والتغيير.
لقد أدرك الناس من خلال السينما براءة الطفولة في الفن الحقيقي،إذ كان الفن السينمائي محررا من الشعور بالنقص وهو يعيد تقييم الماضي، كما كان مدهشا ومثيرا وهو يكتشف جماليات اللون والصوت، ويعبر عن السعادة الحقيقية والألم العميق، أو وهو يقدم الملهاة والميلودراما، الموسيقى والغناء، البطولة وكفاح الإنسان، وانتصار الخير على الشر.
كما ادرك الفنانون أنفسهم مدى تأثير الفن السينمائي على الأشكال التعبيرية الأخرى، واكتشفوا العلاقة القائمة بينه وبين مختلف الفنون، وبين الفن والمجتمع، وكيف كانت السينما تصل الى أرقى انواع التعبير بين ما هو خاص وما هو عام، بين ما هو روحي وما هو مادي، وفي الظاهر او في الأعماق.
السينما اليوم تتقدم بسرعة، تتغير بلا توقف كواقع جمالي، وكواقع اجتماعي، واننا هنا لا نتحدث عن سينما معينة، او عن سينما بلد معين، لكننا نتحدث عن السينما التي أصبحت أداة معرفية، وواحدة من عناصر الواقع الثقافي في العالم.
إن جزءً من ثورة الاتصالات التي نعرفها ترتبط بالسينما التي استطاعت ولأول مرة في تاريخ الحضارة الإنسانية أن تقرب بين مسافات شاسعة، بل قهرت كل المسافات بنقلنا في لحظة إلى أي مكان من كوكبنا.
كتب أحد المؤرخين: «اننا عشنا العصر الحجري، العصرالبرونزي، عصر الصفحة المكتوبة، والآن نعيش عصر السينما».

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 3

  1. ثناء الالوسي

    تخصص قانون بريطاني

  2. ثناء الالوسي

    مقال غني في التعريف بالسينما تدرجا ودورا وريادة.. احسنت سيدي الكريم

  3. الفاروق المهداوي

    مقاله رائعه ، انها بداية جديده ورد على واقع اول ضحايه هو الفن دمت عزيزا حرا عراقيا

يحدث الآن

العثور على 1500 قطعة أثرية في ذي قار

دمشق تتسلم سجن الأقطان في الرقة وتباشر تدقيق ملفات السجناء

مجلس الخدمة: توظيف الخريجين مرتبط بموازنة 2026 واستقرار الرواتب

إعادة 100 مهاجر عراقي من ليبيا إلى أربيل

خمس مواجهات اليوم في استكمال الجولة 14 من دوري نجوم العراق

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

الـهـويـّة الـوطـنـيـّة: صراعٌ آيديولوجيٌّ أم ضرورة وجوديّة؟

عثمانُ الموصليّ

موسيقى الاحد: موتسارت الاعجوبة

قبل رفع الستار عن دراما رمضان: ما الذي يريده المشاهد العربي؟

بروتريه: حسين مردان.. بودلير العصر

مقالات ذات صلة

الـهـويـّة الـوطـنـيـّة: صراعٌ آيديولوجيٌّ أم ضرورة وجوديّة؟
عام

الـهـويـّة الـوطـنـيـّة: صراعٌ آيديولوجيٌّ أم ضرورة وجوديّة؟

لطفيّة الدليمي ليست مهمّة ميسّرةً أن يتناول المرءُ منّا كتاباً جديداً للدكتور عبد الجبار الرفاعي خارج سياق مشروعه الفكري الممتد؛ فالرجلُ لا يكتبُ كتباً منفصلة في موضوعاتها؛ بل ينسجُ نصوصه داخل أفق معرفي واحد،...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram