TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > عينان تواجهان السقف

عينان تواجهان السقف

نشر في: 17 يناير, 2014: 09:01 م

ترى ما هي مشاعر مايكل أنجلو وهو يهم بالشروع في رسم أعظم أعماله الجدارية على الإطلاق وواحدة من هبات ونعم الفن علينا على مرّ العصور والأزمنة ، وأقصد هنا رسمه لسقف كنيسة كابيلا سيستينا في الفاتيكان . أرى معجزة أمامي وأنا أتخيل رجلاً واحداً يتصدى لمهمة كهذه ! كيف يسيطر إنسان واحد على عمل فني بطول 41 متراً وعرض 13 متراً وهو يقف على ارتفاع 20 متراً مزهواً بموهبته وفخوراً بعمله ؟ ليقضي أربع سنوات متواصلة يعمل على إنجاز هذا المشروع ( 1508 – 1512 ) الذي استلهم موضوعه من خلق الإنسان ونزوله من الجنة ، حيث يظهر في العمل أكثر من 300 شخصية ومفردة وتكوين ، وقام بتقسيمه إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي ، خلق الله للأرض وخلقه لآدم وحواء ونزولهما إلى الأرض ، ثم الإنسان كما رآه النبي نوح . ومع كل خطوة من خطواتي وسط الفاتيكان ، بين الجموع الغفيرة التي تتقدم ببطء لمشاهدة هذه الأعجوبة وأنا أفكر بهذا العمل العظيم . دخلت الكنيسة التي نالت شهرة كبيرة بسبب الرسوم التي على سقفها وفوق جدرانها ، هناك حيث الزوار يصورون الأعمال خلسة وبسرعة خوفاً من الحراس المتشددين الذين يملأون المكان ويمنعون ليس التصوير فقط ، بل الحديث بصوت عالٍ أيضاً ، وكأننا في مكان مقدس ، ونحن بالفعل كذلك . كان أنجلو وقتها في بداية الثلاثينات من عمره ، وهو لم يرسم هذا العمل وهو مستلقٍ على ظهره كما هو شائع في بعض حكايات تاريخ الفن ، بل رسمه كله وهو واقف فوق سقالة ويضع فوق قبعته فانوس يضاء بالشموع .
في تسعينات القرن العشرين وضعت محطة التلفزيون اليابانية ( نيبون ) ما يقارب 20 مليون دولار على طاولة الفاتيكان لأجل تنظيف السقف الذي يحتوي على هذا العمل ، شرط أن تقوم بتصوير عملية التنظيف بأفلام وثائقية وأن تستمر بعدها بتصور كل تفاصيل العمل لمدة ثلاث سنوات . رحب الفاتيكان بهذا العرض الرائع وابتدأ فريق العمل . وهنا بدأت المفاجأة التي لم يتوقعها أحد ، بعد أن أزيل دخان الشموع الممزوج بالغبار من على السقف . لقد ظهرت ألوان العمل الحقيقية الناصعة التي نراها اليوم بعد أن غطاها الغبار قرونا طويلة ، وبدا العمل بهياً صافياً ، واتضحت كل تفاصيل الموضوع . عندها قال رئيس المرممين أو المنظفين (فابريزيو مانشينيلي ) كلمته الشهيرة ( عملية التنظيف هذه تشبه في أهميتها أول رحلة للإنسان نحو القمر ) ، وبالفعل بعد أن اتضحت النتائج النهائية لتلك العملية ، وقف تاريخ الفن كله على قدميه .
لكن حكاية العبقري مايكل أنجلو لم تنته بعد ، فبعد مرور 30 عاماً على إنجاز هذا السقف ، أوكل إليه البابا بولس الثالث مهمة رسم فريسكو كبير على الجدار الرئيسي لنفس الكنيسة ، وابتدأ فناننا العمل بنفس الحماسة وقد تجاوز الستين من العمر . ورغم براعة وقوة وجمال إنجاز هذه الجدارية المدهشة التي أضحت واحدة من أهم أعماله التي تتباهى بها ايطاليا كلها في ما بعد ، إلا أن الكنيسة كان لها رأي آخر ، بسبب ( الفضيحة ) التي أثارها حين رسم الكثير من الشخصيات المقدسة وهي عارية تماماً، ومنها شخصية المسيح نفسه . وهكذا أوكلت الكنيسة في ما بعد مهمة جديدة لأحد تلاميذ أنجلو ( دانييل دي فولتيرا ) الذي رسم قطعا من القماش غطى بها الأجساد العارية . لكن المسألة لم تنته هنا أيضاً مهما تقادم عليها الزمن . فبعد مرور ( 453 ) سنة ، أي أربعة قرون ونصف ، سمحت الكنيسة من جديد بإزالة مجموعة كبيرة من قطع القماش المرسومة على الأجزاء العارية . وهكذا يظل مايكل أنجلو يحيا كل مرة من جديد كما هي أعماله الخالدة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram