علي عبد السادةأظنُ أن الحكومةَ تتوقعُ، متوهمةً، أن زخم الاحتجاجات المطلبية سيتراكم مستقبلا ليتحول الى دعوات لاسقاطها. وعلى هذا الوهم تتحسب بالقوة والعنف ومراقبة المحتجين على انهم خارجون عن القانون. واصل الوهم ان العراقيين الذين التزموا بالانتخابات، لن يكونوا أقل وعيا اليوم حين يطالبون بتحسين احوالهم. الحكومة غاضبة جدا، متوجسة مشككة بالشارع، وهي تتحرج، وربما تتكاسل عن فتح حوار ناضج يقترف الجدية والالتزام معه .. قد يهدئ من روعها، ويعيد ثقة الناخبين بها.
الدلائل كثيرة على ان الفعل الحكومي يصور للرأي العام المحلي بأن استخدام الشارع بقوة الناس التحريضية دونما احزاب وقوى محركة، هو انقلاب على الشرعية، وتآمر على الدولة.فعشرات المراقبين والمخبرين السريين الذين يتجولون بين المتظاهرين، وجحافل مكافحي الشغب، واعلام يحاول تشويه توجه الاحتجاجات، وقوات تنتظر انفضاض اي تظاهرة لتلاحق شبابها فتضربهم وتعتقلهم، وتلك اللغة التي يستخدمها الجنود مع من يلاحقونه والتي تظهر قناعة الاجهزة الامنية بان هؤلاء مجرمون ومخربون. كل ذلك يؤكد نزعة الحكومة في تخوين الشارع. المشكلة الحقيقية تكمن في حاجة الحكومة الى مزيد من الوقت لتدرب نفسها على قناعة ان الشارع قوة اساسية، وهي أصل كل شيء، وان تدرك هذه القناعة لا كشعار مستهلك في الخطب والبيانات السياسية، بل كحزمة اجراءات واصلاحات تعيد الثقة وتشعر الافراد بانهم قوة حقيقية تمتلك القدرة على التغيير.لكن ما يجري يخيف المجتمع المدني من جهة الكتل النافذة ذات العلاقة بشراكة راهنة تضع في اولوياتها الحفاظ على الواقع بكل اخطائه وخطاياه، دون تغيير. وهي لأجل ذلك تخرج أمام الجميع بصورة تزدحم بملامح الاستبداد والنزوح الى التمسك بالسلطة.تقديرات الحكومة اخفقت في فهم الصوت المدني الجديد في العراق، بل واجتهدت، كثيرا، في تحريفه. وهذا كلام قيل وبذل كثيرا منذ جمعة الغضب الاولى وما سبقها، وتصاعد، بشكل متوتر، ساعة خطاب حكومي اتهم المتظاهرين بالبعثيين والمأجورين.اليوم يبدو المثقفون والاعلاميون ومعهم ناشطون مدنيون مصدومون كثيرا من اصرار الحكومة على الانعزال، وما رافق هذا الانكفاء من تحولات على رقعة التحالفات السياسية: كتل يصيبها الانشقاق، كما في العراقية. واخرى تشهد انسحابات كما هو حال النائب صفية السهيل وقبلها جعفر الصدر بالنسبة لدولة القانون. وتوجه قوى اخرى نحو تبني خطاب قد يخرج عن لغة الشراكة كما "يلمح" التيار الصدري.النخبة المصدومة مما يجري كانت، ولا تزال، تقترح حوارا مشتركا مع السلطة، على امل مساعدتها لتكون اكثر قربا من ساحة التحرير.والامر من وجهة نظرهم بسيط للغاية في حال قرر الجميع الديمقراطية معيارا سائدا: الاصلاح وطرد الفاسدين، والتخلي عن المحاصصة، والشروع بتنمية حقيقية، واعتماد خطاب مدني موجه للشارع.المخيف في تأخر وتلكؤ الحكومة عن هذه الاجراءات، واصرارها على تخوين الشارع هو هذا الشعور القديم الصاعد مؤخرا في افئدة النخبة المثقفة:" العراق قد يضيق بالرأي الاخر، وقد نجد سجناء رأي في معتقلاتنا .. ولا نستبعد هجرة جديدة للطبقة الوسطى المدمرة اساسا".ورغم ان الكتل النافذة والماسكة بدفة البلاد تخون شارعها، لكن هذا الاخير يأمل منها، رغم كل شيء، ان تهدئ من روعها، وتستعين بناخبيها في كل مرة، وليس ايام الاقتراع فقط. عليها الاقرار بانه الشريك الاكثر فاعلية في صناعة العملية السياسية.
بالعربي الصريح: هل تهدئ الحكومة من روعها؟

نشر في: 8 مارس, 2011: 07:15 م







