علي عبدالسادةأُتيحت لي أمس معاينة مشهد التظاهر في النجف: المحتجون يلوحون بورود اصطناعية لحاملي الهراوات من قوات "مكافحة الشغب"، وفي بغداد السلطة لا تزال تخرج عن طورها، وترسل إشارات واضحة عن سلوكها جادة الحزب (الأحزاب) الحاكم.أيام "لوتس" مصر، ومع تصاعد قوة الشارع وانكفاء مبارك وتحصيناته السياسية والأمنية، تناولت النخبة المثقفة نقاشاً واسعاً حول تخلف أحزاب المعارضة عن خطوات الشارع بأذرع طويلة،
وخلصت هذه النخبة إلى أن المعارضة التي لا تملك خطوط تواصل حية مع قوى الشارع الناشطة، وممارستها لعبة القط والفأر مع الحزب الحاكم، ستجد نفسها (المعارضة)، دون أن تعي، نسخة محورة ممن تعارض.هكذا عجزت المعارضة عن فهم الحوار الذي أتقنته حيوات الفيسبوك، ووجدت نفسها متراجعة، بمراحل، عن مكاسب الشارع، وبات من البديهي أن يضمحل دورها، لينتهي مبارك مستسلما لقوة الشارع، وليتأكد من أن شبيه الحزب الحاكم لا يفقه خصومته.المعارضة العراقية توصلت، هي الأخرى، إلى قناعة ما بأن صدام خالد إلى اجل غير مسمى، وهم قرأوا ذلك، خصوصا في التسعينيات، من خلال الصناعة البارعة لفكرة القائد الأبدي بأدوات القمع وتحويل مدن العراق إلى ساحات للعيون والمخبرين وكتاب التقارير والباحثين عن رقاب تنحر تقرباً من صكوك الحزب الواحد.هذه المعارضة واجهت، بعد سوء هضم لفكرة انهيار النظام، رهان البديل، وهي تجيء العراق تحديداً في زمن منهك على كل صعيد، وما يجعل الرهان صعباً هو الوقوف على أنقاض وطن هضمته الدكتاتورية بالنار والحديد. الصعوبة تكمن في الانطلاق من صفر صدام حسين.ولما كان الزمن الجديد مرتهناً بحكم البناء الديمقراطي والتوجه إلى الدولة المدنية، دولة حقوق الإنسان والحريات والمواطنة، فأن هاجس المعارضة وما تسلل إليها من عادات وآليات عمل سياسي وما أثمر عنها من عقليات سياسية وأيدلوجية، تمثل بان تلك القوى قد تكون تهجّنت أو مستها رائحة ونكهة فكر الحزب الحاكم.المخيف كان ظاهرا بيّناً منذ تباشير العهد الجديد؛ فالحزب الخارج منتشيا من الانتخابات بعديد مقاعد تؤهل النفوذ، يحول خارطة الوزارات والمدراء، ويدرس أنصاره وأتباعه كيفية مسك الجهاز الفلاني من كل صوب، يدرسون كيفية اعتقال الدولة واحتجازها ملكاً صرفاً لهم.هكذا انحصر العمل السياسي بالاستحواذ على السلطة، ونسيت أحزاب بإيديولوجيات ومناهج مختلفة نفسها، وحولتها طريقة قضم الدولة إلى بذور حزب حاكم.ومع دورتين انتخابيتين، صار الأمر واقعاً، وضرب الفصل بين السلطات، وشوهت حرية الصحافة، واحتقرت الحريات العامة، واستغلت الانتخابات لتحوير المعارضة إلى أحزاب حاكمة.هذه الصورة تكوّرت، مع أسف متواصل على تجربة ما بعد 2003 وأفاق غدها، تحولت رؤية العراق الجديد إلى عقارات سياسية.ومع جمعة الغضب وما تلتها من نصرة للكرامة، وصلنا إلى نهاية مؤسفة مع جمعة الحق، حين ضربت ناشطات وإعلاميات عراقيات بالعصي ويلوح الجنود بالمسدسات في وجوههن. هناء أدور، الناشطة التي لا يساوم احد على بصمتها البيضاء على عراق يعج بالظلام، ونبراس المعموري، التي أعلنت الأجهزة الأمنية بضربها، إعدامها العلني لحقوق الإنسان.تخيلوا أن العراق وصل إلى درجة تسقط فيه امرأة على الأرض تحت هراوات الجنود. هذه الوسائل تتحول اليوم كقاسم مشترك بين أمس العراق ويومه.مشهد الجمعة الأخيرة، أوصل الأمور على حدود حزينة، وبات الشعور بالغبن والنقم على أشده، حين تعبر القوات الأمنية حاجز المنطق والمعقول وتمد اليد بخشباتها على النساء.ترى من يشعر معي بالعار؟ولنفترض أن هذه القوات المرتكبة كل تظاهرة جرم الاعتداء والاعتقال والضرب والاهانة، لم تكن لتفعل ذلك لولا اجتهادات شخصية، لكن تكرارها يجعل المرء يشكل في شركاء مشهد العملية السياسية يتحولون عن طريق العراق الجديد، وهم يقطعون تذاكر "ديمقراطية" إلى الحزب الحاكم.
بالعربي الصريح :الطريق إلى الحزب الحاكم

نشر في: 11 مارس, 2011: 09:36 م







