هاشم العقابيمن يعرف مصر قبل ثورة 25 كانون الثاني،من يدخلها اليوم سيعرف، ومنذ اللحظة الأولى التي تطأ بها قدمه أرض المطار، ان تغييرا هائلا قد حدث بمصر. رغم ان ظاهر الأشياء لم يتغير كثيرا لكن المصريين، في دواخلهم، غير مصريي الأمس.
لقد اعتدت، حين اغادر مصر او أعود إليها، قبل ثورة ميدان التحرير، ان احضر خردة في جيبي لبقشيش قسري أدسه علناً، وليس سرا، بيد الشرطي الذي يصعب علي وعلى غيري ان يتحاشاه. أما في زيارتي الأخيرة فقد وجدت في مصر شرطيا جديدا يبتسم بوجه القادمين بكل لياقة واحترام. أرشدني الى ما أريد، وأوضح لي كيف أصل الى مكاني بشكل سليم قانونيا لاني وصلت في وقت منع التجوال. شكرته فرد بلطف ان ذلك من صلب واجبه. مرت السيارة التي اقلتني من المطار الى وسط القاهرة بعدد من نقاط التفتيش التي أقامها أعضاء اللجان الشعبية. جلهم من الشباب الجامعيين المليئة قلوبهم بالفرح والأمل. هؤلاء الشباب كنت أشاهدهم على الفضائيات أيام التظاهرات، فوجدت نفسي معهم وجها لوجه. وحين عرفوا اني عراقي اقسموا علي ان أشاركهم كأسا من الشاي "الكشري" فشربته بصحتهم وصحة مصر فأجابوا: "وبصحة العراق". لم اكبح جماح فرحتي فتساقطت الدموع من عيني. انا اعرف لماذا ابكي حين ارى مظلوما، لكني لا أدري لماذا بكيت وانا ارى منتصراً؟ عانقني قائد المجموعة وهو يقول: "عقبال العراق". قلت له بعراقية من صميم قلبي: "الله يسمع من حلكك". عند رأس شارع التحرير كانت هناك مفرزة للجيش. يحيون الناس والناس تحييهم بسبب او بدون سبب. عائلة مصرية، اعدت لهم وجبة افطار، ترجل أفرادها من سيارتهم ليصافحوا الجنود ويأخذونهم بالأحضان. يا سلام .في الشارع كل شيء هادئ بدون قوات أمن. لا حواجز كونكريتية ولا أسئلة خاصة من حراس القاهرة الا للتأكد من انك بخير ومطمئن للسائق الذي معك. تصوروا عاصمة يبلغ تعدادها 30 مليون نسمة تقريبا تعيش بدون شرطة ولا مخبرين ويعمها السلام والفرح. اقسم لو كان هذا في لندن لما استطاع الإنسان ان يعيش بها ساعة واحدة من دون رعب.ورغم ان مصر وغيرها من البلدان العربية خاصة العراق، شهدت انقلابات سميت "ثورات" لكن الشعوب العربية لم تجن منها غير المآسي والخراب. أما هذه الثورة الشعبية، ومثلها ثورة التوانسة، فليست ثورة اسقطت الطغاة فقط، بل أحدثت انقلابا جذريا في نفسية الإنسان المصري والتونسي.كان الإنسان في هذين البلدين، كما نحن في العراق، يائسا فصار متفائلا، وحادا في طبعه فصار أكثر استرخاء "ريلاكس". لا يخشى سياط الجلاد ولا كامرة الرقيب التي تركته يعيش بحرية لتلاحق الفساد والمفسدين.انه زمن الخير الذي يجعل حتى الأرض تتراقص فرحا تحت أقدام الناس، بعد ان كانت لا تطيقهم ولا يطيقونها.
سلاماً يا عراق: الخير يخير والشر يغير

نشر في: 14 مارس, 2011: 06:29 م







