كاظم الواسطيحينما نسمع « كلام « العقيد القذافي ، أو ، بمعنى أدق ، هلوساته وهو يطل علينا من الشاشات أنا لا أملك منصباً ..عندي بندقية .. أنا المجد .. طاردوا الجرذان ..الشعب يحبني .... تخطر في بالنا مقولة ( ما أشبه اليوم بالبارحة ) ، حيث كانت خطابات المهيب الركن هذيانات شوّشت عقل المواطن العراقي عقودا في ظل جنونه بالسلطة ، ومحاولاته لتحويل العراق إلى مقبرة ،
على أمل أن يقوم حزبه بـ بعث « موتاها ، بأشكالٍ تماثل ملامح (فارس الأمة) كي يكون شعباً يبدأ به تأريخ العراق ، يسطره الموتى المعادين بملامح ( القائد الضرورة) ملاحم تغيّر وجه التاريخ نفسه . ولكن ما أسف ( صانع المجد)عليه هو أنه لم يُتح له الوقت الكافي لدفن الناجين خطاً من مقبرته ، وهو ما عطّل مشروعه التكاملي في بعث أشباحه المتشابهين على أرض العراق ، فأختل شعاره الأثير (إذا قال صدام قال العراق). ويتكرر مشهد المتشابهات بين هذيان ( المهيب) وهلوسة (العقيد) وتتداخل حروف اسميهما في ذهن المواطن، بين (الصدّافي) و القـــذّام « لتكون لهما دلالة في قاموس الزعماء العرب الذي يؤلفه المحتجون على حكمهم . أيّ جحيم عاشته شعوب البلدان العربية في ظل جنون (الزعماء) الغائصين في ذهب السلطة ، والخائضين في دماء الشعوب التي جردّوها من أبسط وسائل الدفاع عن نفسها ، وتركوا لأنفسهم حق الانقضاض عليها ، وافتراس تطلعاتها ، في ذات الوقت الذي نسمع به دعاوى هؤلاء (الزعماء)، وادعاءاتهم المستمرة بأنهم جاءوا لـ (تحرير الشعوب من الاستعمار) ، وصيانة (الاستقلال)، والدفاع عن (السيادة)، في وقتٍ يتعاملون مع القوى الوحيدة التي يمكن أن تحقق ذلك ، مثلما يُتعامل مع (الجرذان) في مختبرات تعديل الصفات الوراثية ، والتلاعب بخارطة الجينات . وهذا ما يكشف أكذوبة العلاقة بينهم وبين المواطنين ، بل أن المواطنين في قلاع هؤلاء (الزعماء) مجرّد أوراق لعبٍ على موائد قمارهم الباذخة ، أو دمىً صمّاء تحرس مساحة لذّاتهم من أخطارٍ ، إن لم تكن موجودة فعلا ، فهم يصنعونها صنعاً ، لكي تبقى دائرة الموت متسعة دائما. كيف نتعاطى مع من يدعّي بأنه لا يملك منصبا ، وهو « ينفش ريشاته» الطاووسية حالما يسمع من يردد فخامة ألقابه (ملك الملوك) و»عميد العمداء « ، أو أيّ لقبٍ يناغم نرجسيته العصابية . ثم كيف ينتمي للمجد» زعيم» يفاخر ببندقية يحملها لقتل مواطنيه، لأنهم يريدون حقاّ في الحياة يضمن التعامل معهم كبشر، على أرضٍ لهم كل الحق في العيش عليها ،والتمتع بخيراتها . وأي ّمجدٍ يستمد سمّوه من جثث الفتيان الملقاة على الطرقات ؟ وعلى أيّ معادلة اجتماعية يشتغل هذا (الزعيم الوطني)! حين يصف مواطني بلده بـ (الجرذان) و (متعاطي المخدرات) وكيف يكون ه هذا (المجد) بوجود هكذا صفات لدى من يبني مجده عليهم ، ويفترض محبتهم له ؟ إنها الذهنية التي يبنيها وهم القوة والتي تكتشف هشاشتها عند تداعي ركائز قوتها الافتراضية على أرض الواقع ، ولأنها لا تريد أن تصدّق وقائع الحياة الجديدة ، تتداعى هي أيضا ، وتتحول إلى ذهنية غارقة بالهلوسة ، تتشظى مكوناتها في غياب سيطرة العقل ، وتصير حزمة غرائز عدائية يجمعها رابط البقاء في الموقع الذي توّهمت خلوده ، وبنت أوهامها عليه . وهذه هي مشكلة الزعامات في عالمنا العربي ، وإشكالياتها البنيوية التي وضعت المجتمعات العربية أمام مخاطر سياسية واجتماعية ،عرقلت إمكان التقدم فيها ، وأضعفت استجاباتها الثقافية والحضارية. إن نفاد صبر المواطن العربي بعد عقودٍ طويلة من الاستبداد ، ومصادرة الحريات ، وما أتاحته له وسائل الاتصال الحديثة من تواصل مع العالم وما يحدث فيه من تغيرات في المفاهيم ، والرؤى ، تغاير تماما طبيعة واقعه المتراجع إلى الوراء ، وتؤشر أسباب تراجعه ، وانحطاطه ، قد أحدثت تغيّراً نوعيا في وعيه ، وفي نمط تفكيره ، فخرج بهذا الحجم من الاحتجاجات ، والانتفاضات ، التي تطالب بتغيير هذا الواقع المأساوي ، وتنحّية رموزه التي باتت العامل الأساس في تنامي مشاكل ، ومآسي المجتمعات العربية ، خصوصا وأنها لا تريد أن تعترف بسلطة زمنية تؤهلها للعب دور محدد على مسرح السياسة ، مثلما تصرّف (الملك ديمتريوس في قصيدة الشاعر كافافي ، ( كأيّ ممثّل مسرحي : حين تأتي نهاية المسرحية / يبدل ملابسه ، ويغادر) ولكنّ هذا التصرّف يحتاج إلى نبلٍ في النفس ، واحترام للذات ، تمليهما ثقافة إنسانية في السياسة .. والحياة .
هذيان الزعماء

نشر في: 15 مارس, 2011: 07:18 م







