هاشم العقابيلا أظن أن هناك عائلة عراقية واحدة لم تشغل نفسها بالحديث عن التظاهرات. هذا الانشغال بحد ذاته يشكل تغييرا كبيرا في ما اعتاد عليه الناس من أحاديث فيما بينهم. فالتظاهرات، وان لم تحقق أهدافها الرئيسة بعد، لكنها نجحت في إحداث تغيير هائل في الذهنية العراقية. فمثلا، من كان يخدر العراقيين بأغان وأشعار وشعارات تدعوهم للصبر والتحمل، لا أظن انه سيجد اليوم أذنا صاغية عند أي عراقي أضناه سوء الخدمات وأفسدت حياته رائحة الفساد وأتعبه ضنك العيش. فأنا واحد من هذا الشعب كنت، أتلذذ حد النشوة بسماع بيت الدارمي الذي يقول:
الدهر لو وازاك ها بالك أتصيح خلي الرمح بجلاك واصبر لما أتطيحأما الآن فلا اجد في هذا البيت سوى دعوة للخنوع ولقتل ما في الإنسان من قدرة على رفض الظلم. لِمَ ، ومن أجل مَنْ لا أصيح والكز الرمح في صدري صامتا إلى أن أموت بحسرتي؟ أعترف، وبصراحة، أن التظاهرات التي عمت المنطقة العربية ومنها العراق، قد غيرت طريقة تذوقي للشعر. وهنا أنا متأكد من أنها أثرت في ذائقة العرب والعراقيين وغيرت نظرتهم تجاه ما زخر به أدبنا الشعبي من نصوص تحث على تقبل الألم والاضطهاد بحجج تستمد ضوءها من باب "الصبر مفتاح الفرج".كان لون العراقيين قبل أن يتظاهروا، محكوما عليه طبقا لانتماءاتهم العرقية والدينية والمذهبية والعشائرية . لكنهم حين التقوا في ساحة التحرير كان لهم لون آخر. انه كما الموسيقى التي لا يمكن أن يقال عنها مسلمة أو مسيحية، سنية أو شيعية. يخطئ من يحكم على التظاهرات، التي لا تنجح في قلب نظام الحكم، بأنها فشلت في تحقيق أهدافها. فالتظاهر بحد ذاته نعمة فضيلة وخير وافر. كذلك يخطئ من يتصور أنها لا تعطي ثمارها إلا في الشوارع والساحات التي يمر ويتجمع بها المتظاهرون وينتهي تأثيرها حالما يعودون إلى بيوتهم. إنها روح جديدة تسللت للبيوت والمدارس والجامعات والمقاهي لتطرد اليأس من النفوس وتزرع في القلوب أملا كاد أن يموت إلى الأبد.إحدى قريباتي كتبت لي أن زوجها "سي السيد"، الذي ما كان لها أو لا احد من أبنائها أن يقول له على عينك حاجب، صار يتبرع طوعا بالريموت كنترول ويناوله لهم بأدب قائلا: "اتفضلوا ديروه عالقناة اللي تعجبكم" ! لقد كان قبل اليوم لا يسمح لأحد، مهما كان، أن يغير قناته المفضلة والمتخصصة ببث الحزن ومحاربة الفرح.ورغم أن عمر التظاهرات بالعراق ما يزال أقل من شهر، لكنها أثبتت بأنها نواة نقية لتأسيس مجتمع مدني جديد يتجاوز خنادق الطائفية والمحاصصة السياسية البغيضة. هذه النواة الجديدة جعلت أيا من السياسيين، على طريقة مرغم "كامل الزيدي" لا بطل، أن يحسب للإنسان العراقي ألف حساب إن فكر مرة أخرى في مصادرة حريته أو في إطفاء شمعة بغداد وخنقها بالظلام.اللهم أدم نعمة التظاهر على العراقيين.
سلاماً يا عراق: نعمـة التظـاهر

نشر في: 16 مارس, 2011: 09:01 م







