TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > تلويحة المدى: ندوات الاستعراض الثقافي

تلويحة المدى: ندوات الاستعراض الثقافي

نشر في: 18 مارس, 2011: 06:03 م

شاكر لعيبيالانتصابات الاستعراضية تحكم جزءاً كبيراً من الندوات والمحاضرات الثقافية. ففي العالم العربي لا يمكن للندوات والمحاضرات العامة، إلا بصعوبة، أن تصنع ذائقة عامة، ذلك أنها في الغالب، محكومة باشتراطات غير ثقافية، كأن تكون مسيَّسة، أو ذات أفق محدد سلفاً، أو لا تقرب من المحرّم والمسكوت عنه، الجوهريّ. وأحياناً محكومة بعلائق عامة من طبيعة لا أدبية. الأهم من ذلك كله أن العلاقة بين المحاضر والمتلقي تشكو برودة دم وعدم اطمئنان، وكلها قادمة من مفارقة عدم الثقة بمثقف مزدوج الخطاب ومثقف آخر خائض بالعمومي المطلق.
عدم الاطمئنان للكلام، للكتابة، للمكتوب، والخطابي المنطوق. هي لا-ثقة خفية لكن فاعلة يقع مصدرها في فعل الناطقين الحقيقي، وحصيلة خطابهم التاريخية الطويلة التي خيبت الآمال. مما لا يغيب على أحد، إلا بثمن تلفيق بيّن، أن التفاعل الاجتماعي ضعيف في الندوات الثقافية العربية.نحن نعرف أن هناك قلة يائسة تحْضر ندوات الشعر مثلاً. وهو أمر يدل على أن الجمهور لم يعد يثق كثيراً «بالكلام» الجميل الذي باسمه انتهِبَت أنبل قضاياه. لنلاحظ كذلك أننا لا نجد ندوات يقرأ فيها القصّاصون قصصهم. المُملّ هو ما يحكم هذا التفاعل الضعيف. نُشرت مرة صورة لرئيس بيت الشعر التونسي وهو يغط بنوم عميق في إحدى ندوات بيته. تلك الصورة هي استعارة بليغة للتفاعل المرجوّ، المفقود. ثمة ملل موصول اليوم بأدوات الاتصال الجديدة، كالانترنيت، التي تساهم في تصعيد العذاب الفردي في الوقت الذي تسعى فيه أن تتملص منه. لا كائن في العالم الحديث بقادر على تصديق أن الميديا الراهنة قد أزالت العزلة إذا لم تكن قد صعَّدت وحدةً صافية وجودية لا سابق  لأحد بها، وهو يظن أنه على اتصال فذّ، افتراضي مع العالم كله. ياللمفارقة.إن "حق المؤلف" شيء لا يُعترف به صُراحاً حتى الآن في ثقافتنا. فالمواضيع الأصلية، الأصلية لها، كما نعلم، من يطلقها ويفكّر بها قبل غيره، وهو أمر مضروب عرض الحائط كثيراً وقليلاً. سرقة المواضيع "المتميزة" هي القاعدة. أما المشاركون فهم ذاتهم على الدوام في مهرجان جرش سابقاً ولوديف واللاذقية وبيروت الحاليات، وجل معارض الكتاب السنوية في العالم العربي، وغير ذلك. هناك قائمة ثابتة من المدعوين حفظناها جميعاً. جلّهم من المحررين الثقافيين القدامى و رجالات الصحافة  اللامعين وذوي العلائق الاجتما-ثقافية وأبناء المؤسسات العريقة القائمة على أسس قامت  "الثورات" الحالية ضدها. إنهم جزء من البُنى المنهارة. لا أحد تقريباً يعترف بأن للصورة الفوتوغرافية المعروضة والمطبوعة مؤلف مخصوص. لا يُعترف أيضاً بالجماليات الفريدة لبعضها، الخارجة من حس فرداني لا ُشك به. لا يضع البعض اسم المصور الفوتغرافي لهذا السبب جوار إبداعه في الصحافة المحلية العربية. كيف يمكن بعد هذا كله توقع طبيعة الندوات الثقافية؟: ثمة في الحقيقة العائلة المحوَّرة بدهاء بدلاً عن الثقافة، الفساد المتلبس بلبوس المعرفة بدلاً عن المعرفة ذاتها، التصالح البسيط بدلاً عن نبل السجال المعقّد، النتائج المتشابهة بدلاً عن الخلاصات الذكية. في هذا السياق لا نجد إلا قلة من الندوات اللافتة في مشرق العالم العربي، وليس في مغربه، حيث تقاليد الندوة الثقافية وأسلوب السجال والتوثيق قائمة ومتواصلة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram