TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > ثورات العرب بعيون عراقية

ثورات العرب بعيون عراقية

نشر في: 22 مارس, 2011: 07:09 م

قيس حسن عاش في المنفى ما يزيد على عقدين من الزمن ،هاربا من بطش الشمولية البعثية وعاد الى العراق بعد ايام قليلة من سقوطها ، الامل بامكانية ان يتجاوز بلده عقود الديكتاتورية ويقيم نظام حكم ديمقراطي دفعه الى ان يترك وراءه حياته المستقرة  في الغرب ، ليعمل في ادارة اكثر من مؤسسة اعلامية وحين انتهت السنة الرابعة من الحلم الديمقراطي ،حزم حقائبه تاركا  وراءه بلدا  تتناهبه احزاب طائفية وفاسدة ،فاقدا بسببها ليس فقط بوصلة الديمقراطية بل بوصلة التعايش الاهلي ،كان يعرف لماذا تلاشت احلامه وآماله ،يعي أن عقود الخراب تحتاج الى اضعافها من الزمن والجهود المخلصة والمتنورة لمحو آثارها،
 فالشر الذي اطبق برقبة العراق لايمكن سوى لديمقراطية فاعلة ان تعيد له دماء الحياة .اما ماجرى في العراق الديمقراطي فكان مزيداً من الفساد والانحلال ،جرى في اطار   حرب اهلية قضت بقسوة على آماله ،عودته الاولى جاءت بعد انهيار النظام الديكتاوري في العراق ، ورجوعه لمنفاه جاء عقب انتصار الفساد على الديمقراطية .اما عودته الثانية لبلده فهي على وقع حلم بنهاية عصر الفساد . فحين احرقت نيران الشاب التونسي ،البوعزيزي، كرسي  زين العابدين بن علي ،عاد مسرعا الى العراق ليشهد سقوط جدار برلين العربي كما يصف ما يجري في البلدان العربية ، قال ان التوانسة حجزوا له مقعد في اول طائرة الى بلده ، واعادوا له الامل بقدرة الشعوب العربية على الامساك بمصيرها والدخول في مسار الديمقراطية ،بعد ان  اقصيت منه على يد عساكر وثوريين عقود طويلة . وقبل ان ينتهي المشهد التونسي مدد المصريين فترة إقامته بعد أن  أضافوا لامله بتغيير الانظمة الفاسدة مالايقل عنه اهمية، وهو وعي الشباب " الثوري " والمستقل، وطاقتهم الاخلاقية والقيادية العالية، وقدرتهم على تنظيم انفسهم ،وتجاوز الطبقة السياسية المعارضة من اقصى يمينها الى اقصى يسارها والتي لاتقل فسادا عن السلطة ، ولان مصر لاتشبه سواها من الشعوب العربية ،ولان قيامتها تعني قيامة العرب، كبر الامل بديمقراطية عربية تولد على يد الشعوب لتتجاوز النموذج العراقي المولود في حاضنة خارجية،تاركا جرحا نرجسيا غائرا في النفس العراقية ، وقبل أن تشتعل بنغازي ومصراته وأجدابيا وسواها بنيران القذافي ، قال ان عيوني ترقب ليبيا ، البلد المسالم والذي وجد نفسه محكوما من القذافي وكأنه  " كارثة طبيعية " حلت من دون مقدمات، وانتهى الامر بدخول الليبيين الى عالم القمع والرعب ، لم ينسى صديقي ان يغطي كلماته بدثار التشاؤم من امكانية ان " يثور " الليبيين على حاكمهم  الدموي ، وبدى له ان نهاية القذافي لم تحن بعد ، فقسوته لاتقرن حتى بصدام حسين وهو رمز لشرور السلطة ليس في العالم العربي فقط بل يتعداه ايضا ، فالقذافي اشد قسوة وشعبه أشد طيبة ووداعة ورعبا من سلطته ، وحين خرج أول ليبي الى الشارع معلنا بدأ المعركة التي يتوقع لها ان تكون الاعنف  من بين كل جرى بين الحكام العرب وشعوبهم الثائرة وخاصة فيما لو لم يتدخل المجتمع الدولي، كان صديقي يضع يده على قلبه مترقبا مسار مخاوفه ، ومسار الليبيين وهم يواجهون " ثورهم " الهائج بثورة لاتقل هيجانا عنه ، وحين خرج القذافي في اول خطبه الكوميدية  بدى لصديقي ان سجال العنف بين السلطة والشعب سينتهي بسقوط عصر القذافي .انه مثل غيره من ملايين العراقيين وحدهم يعرفون معنى ونتائج  مواجهة الالة العسكرية لنظام قائم على القمع ومتمرس عليه ، ويعرفون ،كيف يمكن   مصادرة سقوط نظام القمع من قبل قوى سياسية ليس فقط لاتؤمن بالديمقراطية  بل تعمل بالضد منها تماما ،والخوف العراقي من لحظة المواجهة مع قسوة ووحشية السلطة يمتزج بالخوف من مصادرة الحلم بسقوطها وتحويله الى كابوس. ان دوامة المنفى والوطن ، والهروب والعودة ،والخوض في الغمار، ثم الجلوس على التخوم ،لا تخفي وراءها فقط رغبة جامحة بالخلاص الشخصي والعام معا بل تعني محاولة الامساك  بهوية فقدت الكثير من سحنتها  بين عالمين ومصيرين ، تلك كانت حياة الكثير من العراقيين والعرب منذ عصر الثورات وما يسمى بالاستقلال حتى عصر ثورة الشباب،  لذلك ظل صديقي يردد عبارات الامتنان للشباب العربي على اعادته الثقة بالنفس وبالشعوب ، مدشنيين عصرا جديد كل الجدة نقل المجتمعات العربية من التغييرالدموي عبر الانقلابات والعسكر والبندقية الى التغيير بتقنية الفيسبوك وتوتير ويوتيوب ولافتات ورقية تسخر من الواقع ومن القادة معا . 

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram